الصفحة 8 من 52

إثبات الصفات لا يعني تشبيها و لا تجسيما و لا تعطيلا، و إنما هو إثبات و تنزيه، مصداقا لقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير ) )-سورة الشورى/11 - [1] .

و عندما أنكر المتكلمون علو الله تعالى و استوائه على عرشه، و قالوا إنه في كل مكان، رد عليهم أصحاب الحديث على زعمهم الباطل، و احتجوا عليهم بآيات كثيرة تنقض ما زعموه، منها قوله تعالى: (( و ترى الملائكة حافين من حول العرش ) )-سورة الزمر/75 - ،و (( ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا ) )- سورة الفرقان/59 - ،و (( الرحمن على العرش استوى ) )-سورة طه/5 - [2] . كما أنهم عندما نفوا تكلم الله تعالى ردّ عليهم المحدثون بأن الله تعالى صرّح في القرآن الكريم بأنه تكلّم، و كلّم موسى عليه السلام، كقوله تعالى: (( و كلّم الله موسى تكليما ) )- سورة النساء /164 - ،و (( منهم من كلّم الله، و رفع بعضهم درجات ) )- سورة البقرة /253 - ، و (( فتلقى آدم من ربه كلمات ) )-سورة البقرة/ 37 - [3] .

و الوجه الثاني هو الرد على المتكلمين بما يحتجون به من القرآن الكريم، فعندما زعموا أن الله تعالى بذاته في كل مكان، و احتجوا بقوله تعالى: (( ألم تر أن الله يعلم ما في السموات و الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا و هو رابعهم، و لا خمسة إلا هو سادسهم، و لا أدنى من ذلك و لا أكثر، إلا هو معهم أينما كانوا، ثم يُنبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم ) )-سورة المجادلة/ 7 - ؛ كان رد أصحاب الحديث عليهم أن بينوا أن معنى الآية هو أن الله تعالى مع كل نجوى و مع كل إنسان بعلمه و بصره و هو فوق عرشه، لأن علمه مُحيط بالبشر، و بصره نافذ فيهم؛ و ليس معناه أنه تعالى معهم بذاته في الأرض، و عابوا عليهم جهلهم بالآية، فأخذوا بوسطها و أغفلوا فاتحتها و خاتمتها، فهي قد فُتحت بالعلم (( ألم تعلم أن الله يعلم ) )،و خُتمت به (( إن الله بكل شيء عليم ) ).و مما يُثبت أن المقصود بالآية العلم، لا أنه تعالى بذاته في كل مكان، أن آيات قرآنية كثيرة ذكرت أن الله تعالى عاليا مستويا على عرشه [4] .

ثم أنهم -أي المتكلمون- احتجوا بآية أخرى -لدعم زعمهم أن الله تعالى بذاته في كل مكان-،و هي قوله تعالى: (( و هو الذي في السماء إله، و في الأرض إله ) )-سورة الزخرف/84 - ، رد عليهم ابن قتيبة مبينا أن مما يُبطل زعمهم أن آيات قرآنية كثيرة نصت على أن الله تعالى على عرشه، و ليس هو بذاته في كل مكان؛ ثم بيّن أن معنى الآية هو أنه تعالى إله السماء و إله من فيها، و أنه إله الأرض

(1) انظر مثلا: الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 18.و الطبري: التبصير في معالم الدين، حققه علي الشبل، ط1 الرياض دار العاصمة، 1416، ص: 212.و ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية، مصر مطبعة الإمام، دت، ص: 101 - 102.

(2) الدارمي: المصدر السابق، ص: 32.و ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 251.

(3) ابن القيم الجوزية: المصدر السابق، ص: 99.

(4) نفس المصدر، ص: 94، 97.و الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 42 - 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت