و قد كانت لأئمة أهل الحديث -الذين ردوا على المتكلمين - مصنفات كثيرة، كشفوا فيها مغالطات هؤلاء و دحضوا فيها شبهاتهم [1] ، منها: الرد على القدرية لجعفر الصادق، و الرد على القدرية، لمالك بن أنس، و الرد على أهل الأهواء، و الرد على البراهمة، لمحمد بن إدريس الشافعي، و الرد على الزنادقة و الجهمية لعبد العزيز الكِناني، و نفي التشبيه، و الرد على الزنادقة، و الإيمان، لأحمد بن حنبل، و خلق أفعال العباد، و الرد على الجهمية، لمحمد بن إسماعيل البخاري، و التبصير في معالم الدين لمحمد بن جرير الطبري. و كان لنعيم بن حماد الخزاعي (ت229ه) ثلاثة عشر كتابا في الرد على الجهمية. [2]
و ختاما لما ذكرناه يتبين أن ذم السلف الصالح للكلام و أهله، منع بعضهم من مناظرة المتكلمين و الرد عليهم، لكنه لم يمنع أئمة أهل الحديث من التصدي لأهل الكلام و مناظرتهم و الرد على مقالاتهم، لوقف تيارهم الجارف، و نصرة مذهب أهل السنة و الجماعة وفق منهاج شرعي متكامل قامت أسسه على صحيح المنقول و صريح المعقول، و الفطرة السليمة و العلم الصحيح.
أهم أسس منهج المحدثين في الرد على المتكلمين
كان لأهل الحديث منهج متميز في ردهم على أهل الكلام، أقاموه على أسس شرعية و عقلية و فطرية متكاملة قوية، أذكر منها - بحول الله تعالى- أثنى عشر أساسا.
الأساس الأول: الاعتماد على القرآن الكريم:
اعتمد أهل الحديث -في ردهم على المتكلمين - على القرآن الكريم كأول أساس من أسس منهجهم الكلامي، فهو كتاب الله الذي (( لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد ) )-سورة فصلت/42 - .و قد قال الإمام احمد ين حنبل: (( و لو تدبر إنسان القرآن، كان فيه ما يرد على كل مبتدع بدعته ) ) [3] .و قال عامر الشعبي (ت 206ه) : (( ما ابتُدع في الإسلام بدعة، إلا في كتاب الله -عز و جلّ- ما يكذبه ) ) [4] .
و لأصحاب الحديث أوجه كثيرة في اعتمادهم على القرآن و احتجاجهم به على المتكلمين، أذكر منها أربعة أوجه، أولها الاحتكام إلى صريح القرآن، فعندما نفى المعتزلة و الجهمية صفات الله تعالى، بدعوى التنزيه و عدم التجسيم، ردّ عليهم المحدثون بإظهار أن قولهم هذا باطل، يتناقض مع ما جاء في القرآن الكريم من إثبات للصفات الإلهية، كالسمع و البصر، و الرحمة و الكلام، و بينوا لهم أن
(1) انظر مثلا: عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، حققه محي الدين عبد الحميد، بيروت المكتبة العصرية،1416. ص: 364. و جمال بادي المرجع السابق، ج1 ص: 31 و ما بعدها.
(2) عن هؤلاء انظر: عبد القاهر البغدادي: الفرق، ص: 364.و ابن تيمية: درء التعارض، ج 2ص: 162.و عبد الإله الأحمدي: الآثار الواردة، ج 1 ص: 32.
(3) الخلال: السنة، ج 1ص: 547.
(4) نفسه، ج1 ص: 547.