• القِسمُ الرَّابعُ: أَنْ يَروي عن الرَّاوي اثنان فَصاعدًا، ولا يأتِ بِما يُنكَرُ مِن حديثه.
فإنَّ مَن كان هذا حالُهُ أخرج له الإِمام ابنُ حِبَّان في ثِقاته. وهذا لا عَتَبَ عليه فيه؛ لأَنَّه هُوَ الصَّواب، معَ العِلم أنَّ العُلماء قد اختَلَفوا في ذلك على أَقوالٍ:
1 -القَبولُ مُطلَقًا، وهُو الرَّاجح.
2 -الرَّدُّ مُطْلَقًا.
3 -التَّفصيلُ.
(والصَّوابُ هو الأَوَّلُ بِشَرطِ: أَنْ لا ياتي بِما يُنْكَرُ عَليهِ.
ورَجَّحناهُ لأُمورٍ:
1 -أنَّ رِوايَةَ الاثنينِ فَصاعدًا تَنفي الجَهالة على القَولِ الصَّحيح، وقد نَصَّ على ذلك الإِمام الدَّارَقُطني والإِمام ابن القيّم في الزاد [1] .
2 -أَنَّهُ لم يأتِ بِما يُنْكَرُ مِن حديثه [2] ، فلا داعي لِطرح حديثه، بل طرح حديثه في هذه الحالة تَحكّم بِغَير دليل.
3 -أنَّ الإِمامين الجليلين الجهبذين الخِرِّيتَين [3] البُخاري ومُسلم قد خرَّجا في صَحيحهما لِمن كانت هذه صِفته، مِثاله ما يلي:
(جَعفرُ بنُ أبي ثَور: الرَّاوي عن جابرِ بن سَمُرَة - رضي الله عنه: (الوضوء مِن أكلِ
(1) قالَ شيخنا حفظه الله: انظر: سُنن الدَّارقطني (3/ 174) وزاد المعاد (5/ 38) .
(2) لأَنَّ ثِقَةَ الرَّاوي تُعْرَفُ بِموافَقة روايته رواية الثِّقات، فإذا كَثرت موافقته لهم وُثِّق، فإذا جاء راوٍ موصوف بالجهالة، أي لم يرد فيه توثيق ولا تجريح، ومَعلومٌ أنَّ مَن كان هذا حاله تكون غالبًا روايته قَليلة ومعدودة، فإذا كانت روايته مع ذلك لم تُنكر عليه كان في حيز الثَّقة أولى.
(3) الخِرِّيتُ: هو الماهرُ الحاذق الذي يهتدي لِطرُقِ المَفاوز الخفيّة ومَضايقها. راجع: لسان العرب لابن منظور، مادَّة (خرت) (2/ 235) .