بخطاب إلهي إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذه المواجهة والتحذير ? ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذًا لمن الظالمين وعليه فإن المسلم لا يتلقى أوامره إلا من الله، وبعد ذلك يؤكد القرآن الكريم حقيقة أخرى وهي الجزم بمعرفتهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثل ما يعرفون أبناءهم. ومرة أخرى يعود فيؤكد الأمر بالاتجاه إلى القبلة الجديدة.
والتأكيد على اتجاه القبلة لتحقيق أغراض أخرى، وهنا إبطال حجة أهل الكتاب وغيرهم ممن يرون المسلمين يتوجهون إلى قبلة اليهود، فيميلون إلى قول اليهود أو مشركي العرب الذين يقدسون مسجدهم وتنفيرهم من الإسلام الإعراض عن الكعبة الشريفة، وبذلك انتفت كل الحجج لكل الطوائف في الإعراض عن الإسلام، والأصل في كل أمر أن تكون الخشية من الله؛ لأنه هو الوحيد المستحق أن يخشى.
وبعد ذلك كله يذكر المسلمون بالنعم؛ كيف كانوا في الجاهلية وكيف صاروا بنعمة الإسلام تحت راية العقيدة، ثم يستطرد لهم الله نعمه على المسلمين، بإرسال هذا النبي منهم إليهم، استجابة إلى دعوة أبينا إبراهيم -عليه السلام- وأن قبلتهم ليست طارئة إنما هي قبلة أبينا إبراهيم، فهذه النعمة على مر التأريخ البعيد، كما أن الرسالة فيكم، والرسول الأخير منكم، وأن يخاطب الله عباده بكلامه عليهم، وكتابكم شمولي فيه الحكمة، وهو الثمرة الناضجة، ويختمها بقوله: ? ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلولا هذا الكتاب وهذا الرسول لما تعلمت ما تعلمتموه وما عرفتم ما عرفتموه.
وفي نهاية هذه الآيات الله جل ثناؤه علينا يدعونا إلى الذكر والشكر وعدم الجحود بالنعمة، وكل ذلك يكون بالاستعانة بالصبر والصلاة على تكاليف هذا الدور العظيم، وهنا يبدو لنا أمرين إلى أن أي أمر مهما كان عظيمًا يمكن للمؤمن أن يتغلب عليه بالصبر فهو له معين الذي لا ينضب، والزاد الذي لا ينفد، والصلاة فهي الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية، ثم يقرر حقيقة الجهاد والذي يقتل في سبيل الله فهو حي فلهذا الشهيد لا يغسل فالغسل تطهير لجسد الميت وهم أطهار ولكن نحن لا نشعر بهم، ثم يمضي السياق في التعبئة لمواجهة الأحداث، على تربية النفوس على البلاء، بشتى أنواعه (الخوف - الجوع - ونقص في الأموال - الأنفس - الثمرات) ويختم الآية بالبشرى للصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. بمعنى إنا لله .. كلنا لله .. ومرجعنا لله. ويبين مكافأة هؤلاء بعد كل هذه المشقة والجهد والقتل، والجوع والخوف، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، عليهم صلوات من الله ورحمته وشهادته لهم بذلك.