وأيضًا، فلو صح التعليلُ لمتعِ حَلقِ اللحية بكونهِ تشبها بالنساءِ، فما هُوَ القول في الشارِبِ؟ فنَباتُ الشارِبِ واللحية في الوجه مِن خَصائِصِ الزجالِ دونَ النساءِ خَلقا، والشريعَةُ أمَرَت بقَص الشارِبِ قَصا شَديدا يُشْبِهُ الحَلقَ، والحَلقُ وإن لم تَطلُبهُ الشريعَةُ فإنها لم تَنهَ عَتهُ، ولذلكَ ذهَبَ إلى الجوازِ فيهِ كثير مِنَ العُلماءِ، وإزالةُ الشارِب بالحَلقِ مُزيل لهذه العلامةِ الكونيةِ كفارق بينَ جِنسِ الرجل والمرأةِ،َ فإذا كانَ المعنى استواءَ الرجل معَ المرأةِ في عَدَمِ العلامَةِ باللحية فكذلكَ يَقَعُ الاستواءُ بحَلْقِ الشارِبِ، والواقِعُ شاهِد بأن شعر الشارِبِ علامةٌ للرجل في أكثَرِ مجتَمعاتِ النَّاسِ اليومَ حينَ فَشا في المسلمينَ حَلقُ اللحية، فإذا كانَ المقصودُ بقاءَ علامَةِ تَمييز في الوجه فهيَ بأدنى ما يكونُ فيهِ مِن شَعر في اللحيَةِ أو في الشارِبِ يراهُ الناظِرُ.
فهذا وَجة آخَرُ دال على إبطالِ العِلةِ المذكورةِ كعلةٍ صالحة لتعليقِ حُكمِ منْعِ حَلقِ اللحية بها.
فإذا عُدنا بالمسألةِ إلى ما تقدم مِن التقسيمِ لخصائصِ الرجالِ والنساءِ كانَت هذه الجُزئيةُ مندرجة تحتَ ما لم تنصَّ عليهِ الشَريعَةُ مِن تلكَ الخصائصِ، لأن الشريعَةَ قذ جعَلَتِ العلةَ غيرَهُ، فحيثُ فقدنا تحديدَ الشرعِ في اعتِبارِهِ علَةَ بَقِيَ لَنا النظَرُ في العُرفِ، فإن كانَ العُرْفُ أبقى اللحية علامةً مؤثرة في إلحاقِ مَن يحلِقُ لحيتَهُ بالنساءِ وَيجعَلُ الحالِقَ مؤنثا أو مخنثا بذلكَ الحَلقِ مُخرِجا له مِن جِنْسِ الرجالِ مُلحِقا إياهُ بجِنسِ النساءِ، كانَ العُزفُ حاكِما بتشبهِهِ بالنساءِ، أما إذا جَرى العُرفُ بتِلكَ العادَةِ معَ بقاءِ وَصفِ الرجولَةِ لفاعِلِهِ، لم يصح أن يُقالَ:
تشبهَ بالنساءِ ولَحِقَهُ الوَعيدُ باللَّعْنَةِ، بل يَصيرُ ذلكَ مِنَ التكلفِ في حَمْلِ أدلَّةِ الشَّرْعِ على غيرِ وُجوهِها.