الصفحة 13 من 30

وثانيهِما: ما ليسَ فيهِ حُكم مِنَ اللّهَ ورَسولِهِ"ص"يَفصِلُ بينَ الجِنسَينِ، فهذا يتفاوَتُ وَيخْتَلِفُ زَمانا ومكانا، وكُل ما فَقَدَ الحَدَّ في الشَرعِ فحدهُ يُعرَفُ بالعُزفِ، فالبيئةُ تُحددُ أن يكونَ هذا مِن خَصائصِ الرجالِ أو مِن خَصائصِ النساءِ، فإذا جَرى الناسُ في بَلَدٍ على زِي خاص بالرجالِ فرُئيَ مثلُهُ على امرأةٍ مِن نِساءِ ذلكَ البَلَدِ تَزيت بهِ فقد تشبهَت بالرٌجالِ، ولو جَرَوا على زي خاصّ بالنًساءِ فرُئيَ رجُل قد تزئى بمِثلهِ فقَدْ تشبهَ بالنساءِ، ولا يصح أن تُعدَّى أعرافُ بَلَد وزَمان إلى غيرِ ذلكَ البَلَدِ وغيرِ ذلكَ الزمانِ، وتمييزُ كُلٌ جِتسِ عَنِ الآخَرِ في صفات أمر قد جَرَتْ عليهِ مُجتَمعاتُ النَّاسِ حتَى في غَيرِ بلادِ المسلمينَ كَما قَد رأينا ذلكَ، فاختِلافُ الأحوالِ في ذلكَ مما تقتَضيهِ فِطرَةُ الذكورَةِ والأنوثَةِ، فيَميلُ العاقِلُ بأصلِ خَلقِهِ إلى الفِعلِ المُلائمِ لِما فَطَرَهُ الله علمِهِ، وإنَّما يَقَعُ تشبهُ الجِنسِ بالآخَرِ في صِفاتِهِ وأحوالِهِ شُذوذا في مُجتَمعاتِ الناسِ.

فعلى هذه القِسمَةِ التي ذكَرتُ يتبينُ أن التشبهَ مِن أحَدِ الجِتسَينِ بالآخَرِ يُتصورُ وقوعُهُ في النَّوعِ الثانىِ، وهُوَ الطباعُ الكَسبيةُ، لأن التشبهَ فعل المُكلفِ وكَسبُهُ، أما ما لا يَدَ للإتسانِ فيهِ فلا لَومَ عليهِ ولا مؤاخَذَةَ تَلحَقُهُ بسبَبِهِ، فلو ألقيَ على رجُلِ مِن خَصائصِ النساءِ ما اْشْبَهَهُن فيهِ بفِطرَتِهِ مِن غيرِ تصنعٍ ليكونَ مثلَهُن، كالمُخنَّثِ الذي تقَعُ حركاتُهُ وسَكَناتُهُ وربما كَلامُهُ كما يَقَعُ مِنَ النًساءِ ولا يِدَ لهُ في ذلكَ، فهذا ليسَ مُتشبها بالنساءِ وإن أشْبَهَهُن، والشَريعَةُ مُنزهَة عن أن تؤاخِذَ مَن هذا وَصفُهُ بأن خَلَقَهُ اللّهُ كذلكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت