3-وَعنِ ابنِ أبي مُلَيكَةَ، قالَ: قيلَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: امرأةً تَلبَسُ النعلَ؟ فقالَتْ: لَعَنَ رَسُولُ اللّهَ"ص"الرجلةَ مِنَ النساءِ.
فهذه الأحاديثُ هِيَ الصحيحةُ في هذه المسألةِ، وألفاظها يُفَسرُ بعضها بعضا، ومَعنى التشبهِ فيها هُوَ: تَرَجلُ أو تَذَكرُ المرأَةِ، أيْ: تجعَلُ نَفسَها كالرجلِ أو الذكَرِ، وتخنْثُ الرجل، وهو: أن يجعَلَ نَفْسَهُ كالمرأةِ.
لكنْ في أي شيءٍ ؟
حَديثُ أبي هُرَيْرَةَ حدَدَ صورةَ، وهُوَ هَيْئَةُ اللُبْسِ، فيَلْبَسُ الرجل ما هُوَ من ثِيابِ النساءِ، وتَلبَسُ المرأَةُ ما هُوَ مِن ثِياب الرٌجالِ، هذا هُوَ الظاهِرُ القَريبُ مِنَ اللفظِ، ويصحّ أن يكونَ المعنى أَبْعَدَ مِن أن يُرادَ بهِ الثيِابُ، بل هُوَ المعنى المترجحُ هُنا لدلالةِ لَفْظِ التَخنث والترجل وعُمومِ لفظ التشبهِ، واللبسَه تكونُ كِنايَةً عنِ الحالَةِ المُتلبسِ بها، فيندرجُ تحتَها الثيابُ في ألوانِها واْنواعِها وهَيئاتِ خِياطَتِها وطَريقَةِ ارتِدائها، وما يتقمَصُهُ الشخصُ مِن الحَرَكاتِ والتصرُفاتِ والأصواتِ وغيرِ ذلكَ مِما يعود إلى الطبائعِ ولا يكونُ مِن طبيعَةِ ذلكَ الشَخْصِ، بل يكونُ طَبعًا لغيرِهِ، فحيثُ تقمصَهُ فقدْ تشبهَ بصاحِبِ ذلكَ الطبعِ وتخلقَ بخُلُقِهِ وتلبسَ بهيئتِهِ وحالَتِهِ.
فإذا تبينَ هذا المعنى كانَتْ دلالةُ الأحاديثِ: لَعنَ الرجل يتقمصُ صِفَةَ النساءِ بأخْذِهِ لطِباعِهن التي هي لهُن في الأصل لا يُشاركُهُن فيها الرجالُ، ولَعنَ المرأةِ تتقمصُ صفَةَ الرجالِ في طِباعِهِمُ التي هي لهُم في الأصْلِ لا يُشارِكُهُم فيها النِّساءُ.
وحيثُ إن مرْجِعَ ذلكَ إلى الطباعِ والخَصائِصِ فالمُشاهَدُ أنَّ طبائِعَ الخَلْقِ وخَصائِصَهُم نوعانِ: