فلا يعرف حاجة اليتيم مثل من ذاق اليتم وعرف ما فيه من الحاجة الجسدية والنفسية وإن كانت الأخرى أهم لذلك قال تعالى: (فلا تقهر) والنهي عن القهر يعم الأمر بالإحسان المادي والمعنوي فكأنه قال له: عرفت اليتم وما فيه والعيلة وما فيها وقد أنعم الله عليك وأغناك فأحسن إلى اليتيم والفقير واجتهد في هداية الناس من الضلالة لتشكر بذلك نعمة ربك عليك، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) وكان أجود الناس، ففي الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ) ).
وكان أحرص الناس على هداية الناس حتى قال الله له: (لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين) وقد ورث أصحابه هذا المعنى فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ) ).
ـ وكان رجل ممن قبلنا قد اشتد به العطش فدخل بئر فشرب منها فلما خرج إذا هو بكلب يأكل الثرى من شدة العطش فقال: لقد نزل بهذا الكلب مثل ما كان بي من العطش فدخل البئر فملأ خفه فعضه بأسنانه حتى خرج فسقى الكلب فشكر الله له ذلك فغفر له.
إن عطشه القريب الذي ذاقه ذكره بحرارة العطش فعطف على هذا الكلب فسقاه وإذا كان ذلك حال المؤمن مع البهائم فكيف بحاله مع المؤمنين من إخوانه إذا أحس حاجتهم وشدة عطشهم وجوعهم ومن هنا كان الصيام وسيلة تحسيسية للأغنياء يحسون بها حاجة الفقراء وتلك حكمة من حكمه الاجتماعية الظاهرة.