الصفحة 12 من 244

الزيادة ـ أنشأه النحاة؛ والعرب لم تُشعْ هذا الأسلوب في لغتها بقصد الحشوأوالإقحام إلخ ... وإنما لغرض بلاغي. بينت طرفا منه في فصل عقدته بعنوان نماذج من إبراز المعنى المؤكد.

فأقول إنَّ هذا الأسلوب خاصة [من] ورد في لغة العرب, ولكنهم أدخلوا هذه الحروف ولم يسموها زوائد بل أتوا بها لغرض بلاغي فهو في أصل الوضع حرف توكيد. أوحرف بياني أوحرف استغراق أو تقوية.

وما أجزم به أنَّ العربي يكتم معنى جميلا دقيقا دفنه حين أدخل هذه الحروف في أساليبه ولانت بها سليقته وتعارف عليها القوم, وحين استعصى على من بعدهم فهم المعنى البلاغي وبَعُد النحاة عن التذوق فأصبحت غايتهم أن يلتمسوا تصويب قواعدهم؛ و حين رأوا أنَّ الأثر الإعرابي موجودٌ لهذا الحرف من غيرأن يفيد معنى من المعاني التي اصطلحوا عليها ثم ذكرها ابن مالك رحمه الله في قوله:

بعِّض وبيِّن وابتديءفي الأمكنة ... بمن وقد تأتي لبدأا لأزمنة

وزيد في نفي وشبهه فجر ... نكرة كما لباغ من مفر

لمارأواهذاسموها زائدة. وعلى هذا فإن إطلاق مسمى [حرف جر وتوكيد] يمنع اللبس الناشيءعن التسمية ويُبقي سبب الأثر الإعرابي وبه نهمل القول بالزيادة.

وعندما تحدثت الدكتورة عائشة عبد الرحمن ـ رحمها الله ـ عن اقتران خبر ليس وما بالباء قالت: [وأمام هذه الظاهرة الأسلوبية من غلبة اقتران خبر"ما"و"ليس"بالباء لا يهون القول بأنها حرف زائد ... ولا يلطف من هذا الجفو أن نعلم أنهم لم يعنوا بالزيادة مجرد الحشوأوالفضول] ثم تساءلت قائلة: [ولا أدرى ماإذا كان من المجدي , أن أقول في هذه الباء غير ماقاله النحاة كي تبقى حرفا أصليا غير زائد؟]

وقد يكون أنَّ من دواعي القول بزيادة حروف الجر أنَّ أثرها الإعرابي ضعيف في تابع مجرورها بحيث يجوزفيه الجر أوإبراز مايناسبه من حركة الموقع الإعرابي لماقبله؛ فمثلا: هل من رجلٍ كريم. فيجوز في كريم الجر على اللفظ والرفع على الموقع ما رأ يت من رجل كريم. يجوز في كريم الجروالنصب. ومن مظاهر ضعفها أنها ليس لمجرورها متعلَق. ولا أدري هل نفي المتعلق من مظاهر ضعفها أم هو اصطلاح جرى عليه المعربون, وإلا فمالفرق في شأن المتعلق بين قولنا: مارأيت من المنافقين وقورًا, وبين قولنا: مارأيت من منافقٍ وقورٍ؟.

ومن الخطأ الذي أصبح من قواعد النحاة أنَّ كثيرًا منهم يقدم ماأفرزته العقول البشرية, واجتهادات أصحابها من النحاة والمفسرين أوالبلاغيين يقدم هذا على ماورد في القرآن الكريم وهناك من التعسف والتأويل لآيات كريمة جرى عليه قلم النحومايجعل الناظر فيها يعيش في قلق. فكم مرة قالوا عن تركيب إنه لغة شاذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت