وبذلك يتبين لك وهاء ما احتج به المؤلف على جواز التوسل بالجاه من حيث السند تارة، ومن حيث وجه الدلالة تارة أخرى.
وأما ما ختم به المؤلف بحثه في هذا الحديث من كلامه الساقط (ص: 121) :
(وفيه أيضًا أن التوسل كان بالعباس، وليس بدعائه، بدليل قول عمر: واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم، فالضمير يعود على شخص العباس قولًا واحدًا، إلا عند أهل التحريف) .
فهذا من باب الشغب والتهويل، فإن الضمير وإن كان عائدًا على العباس - رضي الله عنه-، إلا أن تقدير الكلام يكون:
"واتخذوه وسيلة إلى الله بدعائه"، كما أيدته بعض الروايات التي سبق ذكرها، وكما استقر عند الصحابة في هذا المعنى، وكما رجحه أهل العلم كالبيهقي والموفق- رحمهما الله - من أن التوسل بالدعاء لا بالجاه، ولما ذكرناه من أن على القائل بأن التوسل الذي توسل به عمر بالعباس إذا كان توسل بالجاه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى به وإن كان ميتًا، مما يدل على أن التوسل لم يكن بالجاه إلا في عقول أهل التخريف.
الحديث الثالث
وهو حديث عثمان بن حنيف - رضي الله عنه:
أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال:"إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم! إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي، اللهم! فشفعه فيَّ.
وهذا الحديث أخرجه أحمد (4/138) ، والترمذي (3578) ، والنسائي في"اليوم والليلة" (663و 664) ، وابن ماجة (1385) بسند صحيح، وإن كان في طرقه بعض الاختلاف.
إلا أن هذا الحديث حجة عليه فيما ادعاه من جواز التوسل بالجاه وهذا ظاهر جدًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، ومن جواب الرجل عليه:"فادعه".