السعيد في المحبة هو من ابتلي بمن يقدر أن يلقي عليه قفله ، ولا تلحقه في مواصلته تبعة من الله عز وجل ، ولا ملامة من الناس.
إذا ارتفعت الغيرة فأيقن بارتفاع المحبة .
الغيرة خلق فاضل متركب من النجدة والعدل ؛ لأن من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره ، وإن يتعدى غيره إلى حرمته ؛ ومن كانت النجدة طبعًا له ، حدثت فيه عزة ، ومن العزة تحدث الأنفة من الاهتضام.
أخبرني بعض من صحبناه في الدهر عن نفسه ، أنه ما عرف الغيرة قط ، حتى ابتُلي بالمحبة فغار . وكان هذا المخبر فاسد الطبع ، خبيث التركيب ؛ إلا أنه كان من أهل الفهم والجود .
كنا نظن أن العشق في ذوات الحركة والحدة من النساء أكثر ، فوجدنا الأمر بخلاف ذلك ، وهو في الساكنة الحركات أكثر ، ما لم يكن ذلك السكون بلهًا.
التلون المذموم هو التنقل من زي متكلف لا معنى له إلى زي آخر مثله في التكلف ، وفي أنه لا معنى له .
وأما من استعمل من الزي ما أمكنه مما به إليه حاجة ، وترك التزيد مما لا يحتاج إليه = فهذا عين من عيون العقل والحكمة كبير ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو القدوة في كل خير ، والذي أثنى الله تعالى على خلقُه ، والذي جمع الله تعالى فيه أشتات الفضائل بتمامها ، وأبعده عن كل نقص ـ: يعود المريض مع أصحابه راجلًا في أقصى المدينة بلا خُفٍ ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة ، ويلبس الشعر إذا حضره ، وقد يلبس الوشي من الحبرات إذا حضره ، ولا يتكلف ما لا يحتاج إليه ، ولا يترك ما يحتاج إليه ، ويستغني بما وجد عما لا يجد ، ومرة يمشي راجلًا حافيًا ، ومرة يلبس الخف ، ويركب البغلة الرائعة الشهباء ، ومرة يركب الفرس عريًا [بلا سرج] ومرة يركب الناقة ، ومرة يركب حمارًا ، ويردف عليه بعض أصحابه ، ومرة يأكل التمر دون خبز ، والخبز يابسًا ، ومرة يأكل العناق المشوية ، والبطيخ بالرطب والحلواء .