الصفحة 7 من 47

لما كان مبررا لمخالفتهم لجمهور علماء الأصول في القول به وقد. قال الغزالي: علم أصول الفقه يبحث في معرفة أدلة الأحكام وهذا يستلزم البحث في ثلاثة أشياء: ألفاظ المعرفة, والدليل ,والحكم فلا بد أيضا من معرفة الدليل ومعرفة المعرفة أعني العلم وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الإعراب جملا هي من علم النحو خاصة , وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد رحمه الله وأتباعه على مزج مسائل كثيرة من تفا ريع الفقه بالأصول فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع فقد أكثروا فيه. [1] ومع ذلك لم يجعل بحثه أصوليا محضا وقال: فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه لأن الفطام عن المألوف شديد والنفوس عن الغريب نافرة لكنا نقتصر من ذلك على ما تظهر فائدته على العموم في جملة العلوم من تعريف مدارك العقول وكيفية تدرجها من الضروريات إلى النظريات على وجه يتبين فيه حقيقة العلم والنظر والدليل وأقسامها وحججها [2] وذكر ذلك أيضا إمام الحرمين حيث قال: لما قسم أهل العربية الكلام إلى الاسم والفعل والحرف قسم الأصوليون الكلام على غرضهم تقسيما آخر فقالوا: أقسام الكلام: الأمر والنهي والخبر والاستخبار وهذا قول القدماء ,واعترض المتأخرون فزادوا بزعمهم أقساما زائدة على هذه الأقسام الأربعة وحاولوا بزيادتها القدح في حصر الأولين الكلام في الأقسام الأربعة , والذي زادوا التعجب والتلهف, والتمني ,والترجي, والقسم, والنداء, والدعاء [3] ثم قال: هذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها فحرصنا على التنبيه على مقاصد قويمة عند أهل العربية مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو [4] وإن كان كلام إمام الحرمين [5] أحسن مما قاله الغزالي [6] , فالحاصل أنه يجب أن يشتمل البحث الأصولي على القواعد الأصولية مع فلسفة ومقاصد التشريع, والأصل اللغوي الذي يفهم منه تلك القواعد , ولا يمكن فصل علم الأصول عن علوم اللغة أو فهم الأحكام من النصوص باللغة وحدها , وإلا لما كان هناك حاجة إلى علم الأصول أصلا مع مراعاة أن علم الأصول ليس علما لغويا صرفا , فقواعد الأصول ليست كقواعد النحو يتوصل بها إلى المعنى الظاهر من القول ولكنها مناهج يتوصل بها إلى دلالات التشريع ومفاهيمه ولو لم يتناولها النص بعبارته ومنطوقه , ومن ناحية أخري فإن للقواعد اللغوية صلة ببناء الأحكام الشرعية واستنباط أدلتها , مما يستفاد من التحليل التركيبي، وتحديد معاني حروف المعاني، والمسائل اللغوية الدلالية, والمسائل اللغوية العرفية العامة، ولهذا جُعل العلم بأسرار العربية شرطا أساسيا من شروط الاجتهاد. [7] ومع ذلك أتت مناهج الأصوليين في فهم السياق أكثر بيانا علي

(1) - المستصفى ج 1 ص 8 التقرير والتحبير ج1ص3

(2) - المستصفى ج 1 ص 8

(3) - البرهان في أصول الفقه ج 1 ص 146 ص 147

(4) - البرهان في أصول الفقه ج 1 ص 146

(5) - إمام الحرمين هو الإمام عبد الملك بن محمد الله بن يوسف بن محمد الجوينى إمام الحرمين من أصحاب الشافعى ولد في جوين من نواحى نيسابور ورحل إلى بغداد فمكة والمدينة وجمع طرق المذاهب ثم عاد الى نيسابور واشتغل بالتدريس بها وله مصنفات كثيرة من أشهرها (البرهان) فى أصول الفقه وتوفى بنيسابور. سنة 478 هجرية موسوعة الأعلام - أوقاف مصرج 1ص 24

(6) - الغزالى هو الإمام الفيلسوف الفقيه الأصولى أبو حامد محمد بن محمد الغزالى الشافعى ولد في مدينة طوس من أعمال خراسان وتوفى بها تجول في طلب العلوم الشرعية والعقلية حتى نبغ فيها ثم آثر التصوف وغلب عليه وله اكثر من مائتى كتاب ومقالة ورسالة توفى سنة 505 هجرية موسوعة الأعلام - أوقاف مصر ج 1 ص 427

(7) - مجلة جامعة أم القرى ج 7 ص 217 ومن المقرر أن لكل علم هدفه وغايته فمثلا علم البلاغة أو البيان هو فن يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه ودلالة اللفظ إما على ما وضع له أو على غيره، الإيضاح في علوم البلاغة ج 1 ص 69 وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال هو الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم حيث يقول: النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام تاريخ النقد الأدبي عند العرب ج 1 ص 355) وهذا يختلف بالطبع عن علم الصول الذي يبحث في استنباط الأحكام من أدلتها ولوازمه ففي الأصول اقتباس الأحكام الشرعية من الدليل والوسائل المشروعة في فهم النصوص والأدلة وأصول الاستنباط أما الفقه فهو تطبيق الأدلة علي الأحكام فيقرر على أساس ذلك الحرام والحلال والمندوب والمكروه والمباح وهكذا فإن عمل الفقيه والأصولي متكاملان ولايتحقق ذلك من غير اللغة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت