ويكد ليصل إلى المال, فهو أثر العمل, وجزاء الجهد والسعي, وأن العطاء والجزاء من عند الله, وأن لله حكما في خليقته, فقد يحكم لإنسان بالغنى, ولآخر بالفقر لحكمة يعلمها الحكيم الخبير, فهو خالق النفس ومربيها, والعالم بما يصلحها, وما يفسدها قال في حديثه القدسي الجليل:"إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغني, ولو أفقرته لأفسده, وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الفقر, ولو بسطت له لأفسده ذلك" [1]
فلا يعترض الإنسان على عطاء الله, ولا ينظر إلى ما في يد غيره بالحقد والحسد, ولا يحاول كسب المال إلا من حلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيب, وأمر المؤمنين والمرسلين بأكل الطيبات, ونادى ذوي الميسرة والفضل بالعطاء والبذل والسخاء, ودعاهم إلى الإنفاق في سبيله, والمسارعة إلى الخيرات بالعطف على المحتاج, والفقير, والجوعان, وسد حاجة المحتاج, وإرواء الظمآن, وأن يكون المسلم للمسلم معوانًا على الخيرات, ودافعًا له على المكرمات, وجعل للفقير حقًا عند الغني, حق معلوم ملّكه إياه, ونسبه إليه مع تنزهه سبحانه عن الشريك والشبه والنظير؛ لتعظيم هذا الحق والتنويه بشأنه, والمحافظة عليه, إذ هو ركن من أركان الإسلام الخمس, والتي من غيرها لا يكون الرجل مسلمًا, وبهذا بيّن الإسلام أن المال مال الله, ملك للجميع لا ينبغي كنزه, ولا اكتنازه, ولا البخل به, والشح؛ لأنه وسيلة إصلاح وخير للدنيا والآخرة, إذا أدرك الناس هذا وعملوا به تحققت سعادتهم دنيا ودين.
يا أهل الإيمان هذا واعلموا أن المال في الإسلام هو وسيلة إصلاح وتعمير, وسيلة إصلاح للنفوس وتهذيب, وسيلة ود وتراحم بين النفوس, وديعة استودعها الله لذوي الغنى والميسرة, وسيسألهم عنها من أين اكتسبوه؟ وفيما أنفقوه؟
وقد وضّح الإسلام طرق اكتساب المال, وبيّن الطرق المحرمة, فحرّم الغصب, والرشوة, والسرقة, والربا, وأكل المال بالباطل, وبغير عرق الجبين, وجعل على ذلك عقابًا دنيويًا وأخرويًا.
(1) - ذكره المتقي الهندي في كنز العمال , كتاب الإيمان , رقم (1156) ج 1 ص 402.