فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 442

هذا وروح الأسوة والقدوة بإمام النبيين, وزعيم المتواضعين, وسيد العالمين يتمثل في إقتداء وزرائه, وصحابته, وتابعيه الذين باعوا الدنيا بالآخرة, باعوا أنفسهم وأموالهم لله, فربحوا, وفازوا ونالوا الدرجات العلى.

يقول عروة: رأيت عمر بن الخطاب على عاتقه قربة ماء.

فقلت يا أمير المؤمنين: لا ينبغي لك هذا.

فقال: لما أتاني الوفود سامعين طائعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها. [1]

وذات يوم دعا الناس إلى الاجتماع بالمسجد, ثم وقف خطيبا فقال: لقد رأيتني أرعى الغنم على خالات لي من بني مخزوم, فأقبض القبضة من التمر, فأظل بها يومي. ثم نزل.

فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين ما زدت على أن قمأت نفسك - يعني عبت.

فقال: يا ابن عوف خلوت مع نفسي, فحدثتني بأني أمير المؤمنين, فأردت أن أعرفها نفسها. [2]

وعن رجاء بن حيوة قال: سمرت ليلة عند عمر بن عبد العزيز, فاعتل السراج, فذهبت أقوم أصلحه, فأمرني عمر بالجلوس, ثم قام فأصلحه, ثم عاد فجلس, فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز, وجلست وأنا عمر بن عبد العزيز, ولؤم بالرجل إن استخدم ضيفه. [3]

ففي كل ما سبق درس بليغ لهؤلاء الذين يتجبرون في الأرض, ويفسدون, ولا يصلحون الذين يظنون أنهم ملكوا زمام الدنيا فيتعالون على الناس بأنسابهم أو بوظائفهم, ومناصبهم, فاتخذوا من دون الناس حجابًا وأبوابًا عليهم, ومنعوا الناس رحمة الله, وفضل الله, فضلوا وأضلوا, وإن في ذلك لعبرة لمن يخشى فإلى كل هؤلاء وأمثالهم يقول الله تعالى: {إنه لا يحب المستكبرين} [4]

ويقول: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [5]

(1) - مدارج السالكين ج 2 ص 330.

(2) - تاريخ دمشق ج 44 ص 315.

(3) - الطبقات الكبرى ج 5 ص 399.

(4) - سورة النحل آية (19)

(5) - سورة القصص آية (83)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت