الصفحة 7 من 63

والرواة الذين تتسلسل بهم أسانيد الأحاديث قام عليهم علم متشعب دقيق يعتمد مناهج استقراء مروياتهم ومقارنتها لمعرفة قيمة رواية كل واحد. وقد يكون الاطلاع على قبول مرويات الراوي أو ردها بواسطة منهج الملاحظة، ومعاينة رواياته ومعرفة ثقته في موضعه ووطنه، وقد يمتحنونه لملاحظة قوة عقله وسلامة حفظه، أما عدالته وسيرته الدينية فذاك أمر يعلمونه من ظاهر استقامته على الشرع وسلامة أحواله من خلافه، قال ابن المبارك: (العدل عندنا من فيه خصال، يشهد الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب، ولا تكون في دينه خربة، ولا يكذب، ولا يكون في عقله شيء) (1) . ولأجل تحقيق ذلك رحلوا إلى الرواة وخالطوهم وعرفوا أحوالهم ومواليدهم وأنسابهم ورحلاتهم، وشيوخهم وتلاميذهم، وسائر ما يحقق المعرفة برواياتهم...

وإذا كان هناك خلاف في بعض الرواة بين نقاد الحديث، فذاك ناتج عن تطبيق تلك الأحكام والضوابط، والخلاف في الرواة لا يزيد المنهج إلا ثراء وندى ويعين على توسيع مدارك الناظر في هذا العلم، ويدرك معه بعض خفاياه وغوامضه، ويقف على قوة قواعده، وحقيقة عمل النقاد في تنقيد الرواة. ففيه من العلوم النقدية ما لا يخفى، وقال الترمذي: (وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال، كما اختلفوا فيما سوى ذلك من العلم) (2) ، ووجود الخلاف إنما هو في قسم من الرواة وليس في جميعهم، وإذا ثبت الخلاف في هؤلاء فقد آل الأمر فيهم إلى الاجتهاد دون المتفق على توثيقهم أو تجريحهم، فلم يقل أحد من أهل الحديث بمراجعة الأحكام فيهم. فقد اتفقوا على الرجوع في الجرح والتعديل إلى أقوال المحدثين لأنهم العالمون بأحوال الرواة (3) .

(1) الكفاية: 79.

(2) العلل بآخر الجامع (5/411) .

(3) فتح المغيث: 1/274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت