وحفل تاريخ المحدثين العلمي بمناهج التحصيل المجدية، فكان مدارها على أن الأخذ بزمام هذا العلم وإتقانه لا يكون إلا بشدة المواظبة على تحصيله، وطول الممارسة والنظر ومخالطة أهله، حتى يصبح صناعة لصاحبه، ولا يكون صناعة إلا إذا أعطاه كليته ولم يخلط به غيره (1) .
وقال ابن رجب: »ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين به كيحيى بن سعيد القطان، ومن تلقى عنه كأحمد بن حنبل وابن المديني وغيرهما. فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس، وملكة صلح له أن يتعلم فيه (2) . وقال الحاكم: (( الحديث الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم، والحفظ، وكثرة السماع ) ) (3) .
وقال الخطيب: (إن المعرفة بالحديث ليس تلقينًا وإنما هو علم يحدثه الله في القلب. أشبه الأشياء بعلم الحديث معرفة الصرف ونقد الدنانير والدراهم، فإنه لا يعرف جودة الدينار والدرهم بلون، ولا مس، ولا طراوة، ولا دنس، ولا نقش، ولا صفة تقود إلى صغر أو كبر، ولا إلى ضيق أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف البهرج الزائف، والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له والاعتناء به) (4) .
(1) المجروحين لابن حبان (1/40) .
(2) شرح علل الترمذي 331-332.
(3) معرفة علوم الحديث 59.
(4) الجامع (2/255) .