ولحل هذا الإشكال تلجأ السلفية الجهادية إلى «الولاء والبراء» كمعيار حاسم في اختبار دقة تطبيقات الحكم الشرعي للحيلولة دون ما تراه تلاعبا في الحكم الشرعي أو تمييعا له أو تلبيسا، ظاهرا أو خفيا، يستهدف العامة.
لا شك أن الإشكال قد لا يكون، واقعا بالضرورة، في الأطروحة السلفية بحد ذاتها خاصة وأن مصادرها الشرعية تقع في رحاب التراث الإسلامي العقدي، ولكن في تنزيل الحكم الشرعي من جهة، والأهم في القدرة على تحمل الأطروحة العقدية بكل تبعاتها من جهة أخرى. فالمواقف التضامنية والسياسات في العالم الإسلامي وغيره تجري صياغتها على قاعدة المصالح والمنافع وما تحققه من مكاسب لهذا الطرف أو ذاك وليس على أسس عقدية، وهذا هو جوهر الإشكال بين السلفية وغيرها. وعليه فلا يجوز أن نقرأ الظاهرة بمقتضى ما تهوى الأنفس. فما يهمنا ليس قبول أو رفض الأطروحة ولا الاستسلام لما تفرضه سلطة الواقع بقدر ما يهمنا الحرص على دراستها وسبر أغوارها طبقا لمرجعياتها وأدائها. وهذا معطى منهجي حاسم يتقرر بموجبه:
1)النظر إلى الجماعات الإسلامية، بما فيها الجهادية، على أنها جماعات سياسية وطنية ذات طابع دعوي أو جهادي لا فرق، لكنها بالتأكيد ليست جماعات ذات مرجعية شرعية خالصة، كونها تعمل في إطار المنظومات القانونية والسياسية المحلية والدولية السائدة، وتستعمل نفس مصطلحاتها ومفاهيمها الوضعية ومؤسساتها، بخلاف السلفية الجهادية التي لا تقبل بغير المعطى الشرعي كمعيار لفهم اختياراتها والحكم على توجهاتها السياسية. وهذه فرضية حاسمة لمن يرغب في التعرف على لغة السلفية الجهادية وأطروحاتها وحتى على نشأتها وأدائها.
2)وجوب التخلي، موضوعيا، عن معايير التوصيف التقليدية التي اتبعت في دراسة الجماعات السياسية السابقة عليها سواء كانت علمانية أو إسلامية. أما لماذا يتوجب علينا الالتزام بهذه الخطوة المنهجية الحاسمة فلأن استعمال مصطلحات وضعية في تحليل خطاب يستند إلى السياسة الشرعية سيؤدي قطعا إلى نتائج خاطئة.
3)التوقف عن فكرة حصر التيار بتنظيم القاعدة أو برموزها لأنها لم تعد ذات جدوى بعد تضخم وانتشار الأدوات الضاربة له في عدة بلدان إسلامية وظهور قيادات جديدة. كما أن التيار لم يعد مقتصرا على أولئك الذين يحملون السلاح. إذ أن الحديث يجري عن أطروحة عقدية تتموضع في شتى التشكيلات الاجتماعية والسياسية وحتى الأمنية، ولم تعد حكرا على القاعدة ولا تنظيماتها المسلحة، ولعل في هذا ما يفسر إلى حد كبير تضخم التيار واستمراريته.
4)إجادة فهم لغة السلفية الجهادية على مستوى العقيدة والمنهج. وهذا لا يتأتى إلا عبر فهم مماثل، ولو بالحد الأدنى، للغة وتاريخ الجماعات والفرق الإسلامية الفاعلة والشائعة كالإخوان المسلمين وحزب التحرير والتبليغ