الصفحة 12 من 16

فالسلفية بوصفها منهجا وليست مذهبا لا تتقبل غير سلطة الدليل الشرعي للحكم على اختياراتها وأفعالها [1] . والأكيد أن هذا الانحياز للدليل لم يكن متبلورا بمضمونه الواسع والصارم لدى الجماعات الإسلامية سابقا، حتى وإنْ كان جزء من التراث الفكري والعقدي كما عبرت عنه أطروحات سيد قطب ود. صالح سرية والشيخ عمر عبد الرحمن وعبد السلام فرج وغيرهم. لكن حين دخلت السلفية ساحات الجهاد بعد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان (27/ 12/1978) بعشرات الآلاف من المتطوعين والعلماء والمشايخ وطلبة العلم انكشف تراث الدعوة الوهابية برمته، عقيدةً ومنهجًا، ليصبح في متناول كافة القوى والجماعات الإسلامية في شتى بقاع العالم، وليصير بالنسبة للكثير منها بمثابة الأساس العلمي لتلقي الدين والمنطلق المنهجي الحاسم سواء في بنائها أو توجهاتها أو في علاقاتها بالغير أو في استراتيجياتها ومستقبلها.

هذا الانحياز للتراث السلفي، الذي يقرأ واقع الأمة عبر مفهوم «التوحيد» ، يجد صداه في تاريخية الدعوة الوهابية التي ظهرت في بيئة كادت تجرفها الوثنية التي لم يكن من الممكن مواجهتها إلا عبر سلطة «الدليل الشرعي» الذي نجح بتجريد مفهوم «التوحيد» من كل الشركيات والبدع والخرافات والشعوذات التي علقت به على مدى قرون ماضية. لذا فإن كتاب «التوحيد» للشيخ محمد عبد الوهاب يعد الأكثر أهمية من بين 22 مؤلفا وضعها خاصة وأنه حدد فيه نواقض الإيمان. وهكذا سار علماء الدعوة النجدية من أخلاف الشيخ على نهجه إلى أن ثبتت السلفية بوصفها منهجا علميا يلتزم الدليل كسلطة في الحكم على النوازل التي تحل في الأمة في شتى مجالات السلوك والاعتقاد. وهكذا أيضا صار تراث الدعوة برمته موضع ثقة ومرجعية لدى التيارات الإسلامية لا يقل مكانة عن تراث السابقين من «السلف الصالح» لمواجهة كل ما يستجد في مسائل:

-الفرد والمجتمع والدولة؛

-الحزب والجماعة والحركة؛

-العقائد والفلسفات والمذاهب؛

-الدساتير والقوانين والشرائع المحلية والدولية؛

-الأخلاق والقيم والأعراف والتقاليد؛

-العلاقات والمواقف والاتجاهات والتحالفات والاستراتيجيات ... .

لكن كل هذه النوازل وغيرها لا يكفي أن تخضع إلى سلطة الدليل دون مراقبة، ذلك أن تنزيل الحكم الشرعي على الواقع غالبا ما يصطدم باعتراضات وتأويلات ذات طابع شرعي مخلفة وراءها فيضا من «الشبهات» ،

(1) قارن مع الجمحي الذي يسوق ملاحظة جديرة بالذكر: «أما السلفية الجهادية فهم لا يعبؤون في التسمية، بل ويعترضون عليها، لأن السلفية عندهم هي سلفية المنهج، والتي تعني تحري الدليل والالتزام باتباعه وليست السلفية هي مذهب، ولا ينبغي أن تتخذ مذهبا» . أنظر: «تنظيم القاعدة: النشأة .. الخلفية الفكرية .. » ، مرجع سابق، ص 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت