تمييز كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده ... ) ، وقال مبينًا كيف تأثر الغرب بالمسلمين وأخذوا ببعض المفاهيم السياسية الإسلامية في تعيين الحاكم وعزله فنجد أن بعض الدول الكافرة تعزل رئيسها عند أدنى خطأ يرتكبه، بينما يتشبث المتسلطون على رقاب المسلمين بكرسي الحكم حتى لو أبادوا الشعب كله في سبيل ذلك أو أن يُلقي الشعب بجسد الحاكم من على كرسيه جثة هامدة، وهذا كله مخالف لأصول النظام السياسي في الإسلام)، ولكن للأسف الشديد أن القول بعدم جواز عزل الحاكم قد تجاوز مرحلة فسق الحاكم ومعصيته إلى القول بعدم جواز عزله مهما فجر وطغى ومهما أباح وحرّم ومهما أظهر من ألوان الكفر الاعتقادي والقولي والعملي، وهذا القول بحمد الله لم يقل به أحد من علماء الإسلام المعتمدين، وإنما قال به جماعة من أدعياء العلم والفقه وسماسرة الكلمة الذين يبيعون ذممهم بحفنة من الدراهم أو ينافقون مع الحكام الكفرة خوفًا من ظلمات السجن وأعواد المشانق فيهرولون إلى عتبات الحكام الكافرين بالفتاوى المعلبة الجاهزة التي يعلمون مسبقًا أنها تنال رضا الحاكم وتبرق لها أسارير وجهه، ولقد وجد الطغاة جمهورًا من علماء النفاق ووعّاظ المسكنة الذين زيّنوا للطغاة انحرافهم وبرروا لهم أخطاءهم وقاموا بمؤونة إقناع الناس نيابة عن سادتهم حتى وصل الأمر إلى ما هو مُشاهد من ولاء للحكام الكافرين في معظم البلاد الإسلامية، وهؤلاء الذين يتزينون بزي العلماء وهم كمثل الحمار يحمل أسفارا قد جرّوا على البلاد الإسلامية مفاسد كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، وفيهم يقول ابن المبارك رحمه الله:
وهل أفسد الدين إلا الملوكُ وأحبار سوء ورهبانها
قال ابن حزم الأندلسي في الفصل 4/ 173: (ولئن قال بعضهم إن في هذا القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار، فيقال لهم لو كان فوق ما ذكروه مانعا من تغيير المنكر ومن الأمر بالمعروف لكان هذا بعينه مانعا من جهاد أهل الحرب وهذا ما لا يقوله مسلم) .
قال الغزالي في كتابه (كيف نتعامل مع القرآن) ص (90) : (الذي أشعر به من قديم أن فساد الحكم في العالم الإسلامي له جذور ضاربة في التاريخ، وأن سطوة الحكم الفردي كان من وراء لا أقول ضمور الدراسات القرآنية بل من وراء ضمور الفقه نفسه، فالفقه تضخّم حيث يجب أن يكون ضعيفًا، الفقه الدستوري هو الذي جعل الأوروبيين يبحثون وراء سلطة قضائية وسلطة تشريعية وسلطة تنفيذية أو هو الذي جعلهم يبحثون عن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، هذا الكلام يكاد يكون ميتًا عندنا بعد الخلافة الراشدة،