عاصروا العهد المملوكي ولم يحرّضوا على الخروج، فقد واجهت الأمة أعداءها من المغول والتتار والصليبيين بقيادة المماليك، ولم يكن التعرض للسلطان يحسب حينها إلا شقا للصف، فإن الأمر يختلف تماما بالنسبة للعلماء الرسميين القريبين من الحكام الظلمة منذ الانحراف الأول حتى يومنا هذا. لقد سكت أولئك العلماء على تجاوزات حكام يقاتلون أعداء الدين، فكيف يسكت علماء عن ظلم حكام يقاتلون أهل الدين؟ وتحت أي مسوّغ؟!
ماذا يتبقى من الدين إذا انتشرت المنكرات وحُكِم بغير ما أنزل الله؟ وأيّ توحيد وعبادة في ظل تصالح مع المنكرات وحكم الطاغوت؟. إن الله حينما أمر المَلَك بخسف القرية قال عن العابد الناسك: به فابدأ. إن الإسلام قد أرسى قاعدة عظيمة للحياة الحرة الكريمة، تلك هي دعوته أتباعه إلى الوقوف مع الحق والعدل (وهما من أسمائه الحسنى) وكتب الله على المؤمنين القتال بعد استنفاد الوسائل السلمية ونصّ على أنه كره لهم، لكنّ فيه الخير الكثير ( ... والله يعلم وأنتم لا تعلمون) . فإن قيل: هذا في قتال الكفار قلنا فكيف بـ ( ... وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) ؟؟.
إن المقاتلة في سبيل الحق تترك في شخصية المقاتل أثرًا إيجابيًا واضحًا، فالمحارب الشجاع ينظر إلى الأمور بعين العدل لأنه يعرف تبعات القتال، على عكس القاعد الجبان الذي يتمادى في ظلمه وغيّه مادام راكنًا إلى غيره ومحميا به وبعيدًا عن أيّ أذى يصيب نظامه كحالة حكام المسلمين اليوم.
وبالنظر إلى تاريخ الأمم نجد أنّ العدل ما ترسّخ إلا بالدماء، فهاهي أمم أوروبا لم تشهد هذا الاستقرار إلا بعد حروب طاحنة أكلت الملايين منهم لكنها أثمرت تسليمًا بالمساواة في المواطنة وقضت على تسلّط حكم الفرد والكنيسة.
أورد الشيخ علي بلحاج (فكّ الله أسره وفرّج عنه) في كتابه: (فصل الكلام في مواجهة ظُلم الحكام) الآثار الوخيمة لعدم القول بجواز الخروج على أئمة الفسق ما يلي: (إنّ القول بعدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة مطلقا قول خطير على كيان الشعوب الإسلامية، فهو تغليب للظالمين على سواد الأمة الصالحة وذوبان كيانها أمام فرد متسلط غاشم أو طغمة طاغية متجبرة، وقد أدّى هذا القول إلى ضمور الفقه السياسي ذاته، قال الجصاص في أحكام القرآن ج1/ 87: إنما أنكره عليه(الخروج على الأئمة الظلمة) أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام)، قال محمد الجعلود في الموالاة ج2/ 517: (إن مبدأ التسامح مع الولاة الفساق والظلمة مبدأ خطير على الأمة لا يقف عند حد، حيث يُفقد الأمة أهم خصائصها في إقامة العدل واستيفاء الحقوق وتنفيذ الواجبات على الناس من القمة إلى القاعدة بلا استثناء أو