ولم يقل واحد من العلماء الذين قعدوا عن القيام معه أن خروجه هذا غير جائز، والخطب التي ألقاها هؤلاء الفقهاء أمام جيش بن الأشعث تترجم نظريتهم ترجمة أمينة، قال بن أبي ليلى: (أيها المؤمنون إنّه من رأى عُدْوانًا يُعمل به ومُنكرًا يُدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونُور في قلبه اليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه) .
وقال الشعبي: (يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج في قتالهم، فوالله ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار) .
وقال سعيد بن جبير: (قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة ) ) . (الخلافة والملك نقلًا عن الطبري) .
(أما الإمام مالك فقد روى ابن جرير عنه أنه أفتى الناس بمبايعة محمد بن عبد الله بن الحسن الذي خرج سنة 145هـ، فقيل له: فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة، فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك ولزم مالك بيته) . (الدولة الإسلامية للبشير أحمد نقلًا عن البداية والنهاية لابن كثير) .
(وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علماؤنا في رواية سحنون: إنما يقاتل مع الإمام العادل سواء كان الأول أو الخارج عليه) . (المصدر السابق نقلًا عن أحكام القرآن لابن العربي) .
(ومما يؤكد أن مذهب مالك هو الخروج على الظالمين من الحكام أن تلميذه الفقيه يحي بن يحي الليثي أحد فقهاء الأندلس وقرعوس بن العباس كانا فيمن خرجوا على الحكم بن هشام بن الداخل سنة 202هـ) ، (وقال إمام الحرمين من الشافعية: وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغشمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب) . (نفس المصدر نقلًا عن سير أعلام النبلاء للذهبي) .
(وممن ذهب إلى جواز الخروج على الإمام الجائر من الحنابلة: إبن رزين وابن عقيل وابن الجوزي خلافًا لما عليه المذهب) (نفس المصدر نقلا عن صحيح مسلم بشرح النووي) .