المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال الصحابة رضي الله عنهم
اهتم أبو إسحاق الشاطبي بنقل تفسير الصحابة في الآيات التي احتاج إلى تفسيرها في مؤلفاته، وما ذلك إلاَّ دراية منه بأهمية ذلك، فالصحابة هم الذين حضروا التن-زيل، وتلقوا علومهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم العرب الذين يحتج بكلامهم في فهم معاني القرآن الكريم.
وإليك بعض الأمثلة مما نقله أبو إسحاق رحمه الله تعالى:
(1) قال رحمه الله - عند قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (1) -:"وفي رواية يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم ؟ قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌّ، وعن يساره جوادٌّ، وعليها رجال يدعون من مر بهم: هلم لك، هلم لك، فمن أخذ منهم في تلك الطرق انتهت به إلى النار، ومن استقام إلى الطريق الأعظم انتهى به إلى الجنة، ثم تلا ابن مسعود: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ …} (2) الآية كلها" (3) .
(2) وقال أبو إسحاق - رحمه الله تعالى:"وخرَّج هو (4) وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول الله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} (5) قال:"ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخرت من سنة يَعمل بها من بعده"" (6)
(1) سورة الأنعام، الآية: 153.
(2) سورة الأنعام، الآية: 153.
(3) الاعتصام (1/77) .
والأثر أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في تفسير القرآن (2/223) عن أبان بن أبي عياش أن رجلًا سأل ابن مسعود، والطبري في تفسيره (12/230) من طريق عبد الرزاق. فهذا السندُ لا يصح عن ابن مسعود؛ لأن فيه رجلًا مبهما؛ ولأن أبان بن أبي عياش متروك. انظر التقريب رقم (142) .
(4) يعني عبد بن حميد.
(5) سورة الانفطار، الآية: 5.
(6) الاعتصام (1/90) .
والأثر أورده السيوطي في الدر المنثور (6/322) ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد. ولم أقف على إسناده فيما بين يدي من المراجع. وأخرج قريبا منه عبد الله بن المبارك في الزهد (2/850، 851) عن عبد الله ابن مسعود. قال محقق كتاب الزهد: موقوف بسند صحيح.