الصفحة 17 من 95

أسيد عليهما يشتمهما، وقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، وهددهما بالقتل، فقال له مصعب: أو تجلس وتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، فكلَّمه مصعب، وقرأ عليه القرآن، فلما سمعه قال: ما أحسن هذا وما أجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، ففعل، ثم عاد إلى سعد بن معاذ، فأنكر عليه سعد موقفه، وذهب بنفسه ليفعل ما لم يفعله أسيد، فكلمه مصعب بمثل ما كلم به أسيدًا، وقرأ عليه القرآن فأسلم [1] .

(ب) أما في الفتوحات، وما شهدته من وقائع دخول الناس في الإسلام عند سماعهم القرآن من المسلمين فالأمثلة أكثر من أن تحصى عدا، ولا يتسع المقام لذكرها، ويكفينا للدلالة على ذلك أن الدافع لخليفة المسلمين عثمان -رضي الله عنه- إلى جمع القرآن على حرف قريش؛ لَدرء الاختلاف في قراءته، كان لكثرة الداخلين في الإسلام من غير العرب من الأقطار المفتوحة الذين لا يتصور إكراههم على حفظ القرآن والشغف به وقراءته، فقد أسلموا لما عرض عليهم الإسلام وسمعوا القرآن، الذي أخذ بمجامع قلوبهم لما له من أثر لا يقاوم.

وخلاصة القول: أن القرآن يقع من رسالة الإسلام - كما قدمنا - موقع القلب من البدن، والروح من الجسد، سواء كان ذلك في كونه حجة لهذا الدين العظيم، أو حاملًا للواء نشره في العالمين.

(1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 58، 59 - مكتبة الكليات الأزهرية 1974 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت