ثم لا أظن بلاغة القرآن تسمح أن تقول ( إقتربت الساعة ) و وضح الأمر( وإن
يروا آية يعرضوا )فأي تناسب بين هذه الأجزاء ، وأيِّ إقتراب بين إقتراب الساعة ووضوح الأمر .
ثانيها ـ لئن جاز أن تؤول هذه المعجزة ، وهي انشقاق القمر ليجوزن أن تؤول معجزات الأنبياء الواردة في القرآن . وجاز أن يصل لتأويل إلى ما ذكره القرآن من أن عيسى كان يحي الموتى ويبرئ الأبرص والأكمه ، ويكلم الناس في المهد . وأن يصل التأويل إلى عصى موسى ويده ، وإلى ناقة صالح ، وإلى إلقاء إبراهيم في النار ونجاته منها ، وإلى إلقاء يونس في بطن الحوت ، وإلى معجزات داوود وسليمان الكونية العجيبة . فإذا لم يكن من الصعب تأويل إنشقاق القمر لم يكن منه تأويل معجزات هؤلاء الأنبياء . وقد أولها قوم ورد عليهم هذا الذي أول إنشقاق القمر، وأوسعهم ملامًا وتضليلًا. فهل يصعب أن يقال: إن إحياء عيسى للموتى عبارة عن هدايته الضالين الكافرين ، وإنه كان يبرئ الأبرص والأكمه بمهارته في الطب ، أو يكون المراد بالأبرص والأكمه فاسدوا الأخلاق ، وإبراؤهم عبارة عن تقويمهم . وهكذا إلى أن نأتي على بقية المعجزات .
إن من جوز تأويل انشقاق القمر أو أوله فعلا لزمه ذلك لا محالة . ونحن نعلم مع مؤول انشقاق القمر أن هذا فاسد بالإجماع والضرورة .
ولا أظن هذا المخالف يخالف أن قوله ( وإنشق القمر ) مع الأحاديث المروية فيه أدل على ما نقول من قوله في عيسى إنه كان يحي الموتى ، ويكلم الناس في المهد على ظاهرها .
ثالثها ـ كل الآيات التي بعد الآية المذكورة تدل دلالة صريحة على أن المراد أن القمر قد انشق حقيقة معجزة له علية السلام وهاك الآيات: ? إقتربت الساعة وإنشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ، حكمة بالغة فما تغني النذر ? إلى آخر السورة .