الصفحة 18 من 186

هذه هي طريقة الكلام التي قام عليها التفاهم والتخاطب بين الناس ، وعلم بها بعضهم مراد بعض ، وبنوا عليها أحكام دينهم ودنياهم وعلومهم وآدابهم وتواريخهم وعلى ذلك آخذوا وعاقبوا ، وأما أن يصمد الصامد إلى الفعل الماضي وفيقول: إن هذا يراد به الآتي، ويصمد إلى الفعل الآتي فيقول إن المراد به الماضي إعتباطًا وبلا دليل فهو أمر يفسد الحقائق وقانون التخاطب والتفاهم، ويجعل الكلام غير مفهوم المراد، كثير التضليل . وعلى ذلك لزم أن نفهم أن قوله ( وإنشق القمر ) فعل ماض وأن القمر انشق حقيقة معجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فأن قلت: الأمر كما تذكر ، فالفعل ماض والقمر قد انشق في زمنه عليه السلام ، إلا أني أخالفك في معنى انشقاقه فأزعم أن معنى انشقاقه هو وضوح الأمر وبينونته ، وهو كناية عن ظهور صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظهور رسالته .

قلت: من الباطل ضرورة من لغة العرب التي يجب تنزيل القرآن عليها أن يقال

( إنشق القمر ) على أن يكون المعنى وضح الأمر و بان . وصعود هؤلاء إلى القمر أسهل عليهم و أقرب إليهم من أن يدلوا بكلمة واحدة من كلام العرب تعبر بانشقاق القمر عن وضوح الأمر ، ولو قال قائل: إنشق القمر ، وكان يريد بقوله وضوح أمر يعنيه ، أو وضوح الدين لكان ملغزًا معميًا بل مدلسًا ملبسًا . وليس بنافع هذا القائل المحسّن لهذا التفسير أن يكون بعض الناس قاله أو ذهب إليه . فكم من أقوال باطلة ضرورة باعتراف هذا المحسن في اللسان والدين والمعقولات. وأحسب أن هذا التفسير من تفاسير الباطنية، فأنهم يفسرون القرآن تفسيرًا باطلًا بداهة، ويزعمون أن اللغة تناصره. ومن تفاسيرهم أن الصلوات الخمس عبارة عن أسماء أشخاص ، وكذلك يفعلون بالحج والزكاة والصيام وسائر أسماء الدين، ويدعون أنهم يخالفوا اللغة ولا الدين . فهل ينفع مفسر إنشقاق القمر بوضوح الأمر أن يقوله قائل ، أو يكتبه كاتب ، أو يطبعه طابع ؟! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت