الصفحة 17 من 186

وقد سميت السورة التي فيها هذه الآيات سورة القمر لعظم ذلك وشهرته . والآية صريحة في أن القمر انشق فعلًا له عليه السلام ، وأن المشركين لما رأوه كذبوا وأعرضوا وقالوا إنه سحر مستمر، وصريحة أيضًا في أن انشقاق القمر من الأمور التي فيها مزدجر للمكذبين وأنها من النذر العظيمة ، ولكن النذر لا تنفع من لم يرد الله أن يهديه حكمة منه بالغة فما تغني النذر .

و الآية تدل على وقوع هذه المعجزة في الماضي من وجوه كثيرة:

أولها ـ أن الفعل ماض وهو ( وإنشق القمر ) . والعرب وضعت الفعل الماضي لما وقع بحيث لا يفهم عند الإطلاق وإنقطاع القرائن غير حصوله في الزمان الغابر، ولا

يريد القائل غير الماضي إلا أن يكون مدلسًا ملبسًا ، أو يضع قرينه في كلامه تبين ما أراد ، أو يكون هنالك قرينة . فإذا قال قائل:"سافر فلان ، و هلك فلان"لم يفهم منه غير أن ذلك قد وقع فعلًا . وإذا قال القرآن: ? ولقد أرسلنا نوحًا ? وإبراهيم وموسى وعيسى وفلانا و فلانا من الأنبياء إلى أقوامهم فقالوا: لهم كذا وكذا لم يفهم السامعون غير أن ذلك قد وقع في الأزمان الذاهبة . وكذلك إذا قال: ? إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ?، وقال ? وأوحينا إلى أم موسى ? وقال: ? وإذ أوحيت إلى الحواريين ? وأمثال ذلك في القرآن لم نفهم منه الاستقبال . ومثله قوله: ? إقتربت الساعة وإنشق القمر ? يجب أن نفهم أن ذلك قد حصل فعلًا ، كما أنه إذا قال: سوف يقع ، و كذلك إذا قال إمرؤ القيس أو غيره من الشعراء:"فعلت"وجب أن ذلك ماضيًا .

وإذا أريد بالفعل الماضي الاستقبال جيء بقرينة في الكلام خارجية صريحة . فمثلًا لما قال الله تعالى: ? أتى أمر الله ? و كان مراده الأمر الذي لم يأت . قال: ? فلا تستعجلوه? ، فقوله: ( فلا تستعجلوه ) دليل على أنه أمر لم يحصل بعد . ونظائر ذلك في

القرآن الكلام كثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت