يقول. (( صلاة فيه - يعني مسجده - أفضل من ألف صلاة فيما سواه [1/ب] من المساجد إلا مسجد الكعبة ) ) [1] .
قال الشيخ محيي الدين [2] - رحمه الله:
اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيّهما أفضل، فذهب الشافعي - رحمه الله - وجماهير العلماء إلى أنّ مكة أفضل من المدينة [3] ، وأنّ مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وعكسه مالك وطائفة.
(1) صحيح مسلم 2/ 1014 حديث رقم (510) من كتاب الحج.
(2) هو الإمام النووي.
(3) للإمام ابن القيم بحث ماتع حول تفضيل مكة - حرسها الله - على سائر البلدان. كما في زاد المعاد 1/ 46 - 52، بل له مؤلف خاص في (( تفضيل مكة على المدينة ) )ذكره ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة 2/ 450، وعكس ذلك أبو بكر الأبهري المالكي (ت375هـ) فألف: (( فضل المدينة على مكة ) )كما في الفهرست لابن النديم 253.
وللسيوطي رسالة - وهي مطبوعة - باسم (( الحجج المبينة في التفضيل بين مكة والمدينة ) )اختار فيها التوقف عن التفضيل وإن كانت نفسه تميل إلى تفضيل المدينة، وله أيضًا: مقامة المفاضلة بين مكة والمدينة اسمها: (( ساجعة الحرم ) )كما في مقاماته 1/ 499 - 553.
وللزَّرَنْدي الحنفي (ت747هـ) أيضًا مقامة في المفاضلة بينهما اسمها: (( المرور بين العلمين في مفاخرة الحرمين ) )وهي مطبوعة أيضًا.
وقد سرد ابن الجوزي في مثير العزم الساكن 2/ 212،213 أسماء أربعة وخمسين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استوطنوا مكة ثم قال: وقد جاور بها جابر بن عبد الله وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقيم بها. ا. هـ.
وذكر الفاكهي في أخبار مكة 2/ 287 أنّ مدة جوار جابر بمكة ستة أشهر.
وذكر القاضي أبو يعلى الحنبلي أن مدة جواره أربعة أشهر وعشرًا. كما في بدائع الفوائد 3/ 138 لابن القيم.
وانظر في مسألة التفضيل بين هاتين المدينتين:
الاستذكار 7/ 225،226. التمهيد 2/ 287 - 290. المحلى 7/ 279 - 290 وهو مهم. المقدمات لابن رشد 3/ 477،481. المغني 4/ 494. المجموع 7/ 466. قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 39 - 43 وقد رجح تفضيل مكة من اثني عشر وجهًا. الفروق للقرافي 2/ 229 - 232. إعلام الساجد للزركشي 186 - 193. فتح الباري 3/ 67.
والذي يبدو أنّه لم يفصل النزاع في الخلاف الواقع في أيّهما أفضل كما قال ذلك ابن كثير في أحكامه [81/أ] وكما يدل عليه توقف كثير من العلماء عن المفاضلة واقتصارهم على حكاية القولين وأدلتهما أو عقد المناظرة بين المدينتين، وعلى كلّ فالمسألة مهيبة ولا يترتب على الترجيح فيها كبير عمل، والأرض لا تقدس أحدًا وإنما يقدس الرجل عمله كما قال سلمان - رضي الله عنه -، والفضيلة الدائمة في كلّ وقت ومكان في الإيمان والعمل الصالح، والله أعلم.