وقال شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله وأعلى درجته -:"لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام كما يفعله كثير من الناس ، بل قد قال أنس بن مالك"لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك""
لكن ربما قاموا للقادم من مغيبة تلقيا له كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة (1) 0وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ"قوموا إلى سيدكم"وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه 0
والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم خير القرون ، وخير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى ، وهدي خير القرون إلى ما هو دونه 0 وينبغي للمطاع أن لا يُقِرَّ ذلك مع أصحابه ، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له في اللقاء المعتاد 0
وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن ، وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ، ولو ترك لاعتقدوا أن ذلك لترك حقه ، أو قصد خفضه ، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة ؛ فالأصلح أن يقام له
لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء 0 أما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة: فليس في ترك ذلك إيذاء له ، وليس هذا القيام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم:"من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار"، فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد !! ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء (2)
(1) رواه مالك في"الموطأ" ( 1 / 597 ) مرسلًا 0
(2) علق صاحب النقد العلمي بقوله:"في هذا الحصر نظر 0 فقد روى أبوداود (5 / 358 ) "خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر
، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر:"اجلس ؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من أحب أن يتمثل
الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار""أ0 هـ
قلنا: وقد رد ابن القيم بهذا الحديث على من حصر القيام الممنوع في مَن يقومون للشخص وهو قاعد ، حيث قال:"وفيه رد"
على من زعم أن معناه أن يقوم الرجل للرجل في حضرته وهو قاعد فإن معاوية روى الخبر لما قاما له حين خرج 0"انظر"
تهذيب السنن 8 ، وتذكرة الأنام ص 34