موقعها كعنصر سلبي جانبي في النظام الدولي إلا من خلال عملية تجديدية تستثمر التداخلات والارتباطات المتبادلة بين الأحزمة الجيوسياسية بشكل جيد، ودمج ذلك مع ثقافتها السياسية الداخلية، وإلا ستفقد اعتبارها الموجود في هذه الأحزمة، وستكون تابعة لوضع راهن لا تستطيع من خلاله الحفاظ حتى على وحدتها الداخلية [1] .
لقد كانت الدولة العثمانية تاريخيًا دولة أوروبية وآسيوية وإفريقية، وحاولت تطوير سياستها حيال إفريقيا الشرقية والمحيط الهندي عبر سيطرتها على على شمالي إفريقيا والبحر، وتم إعطاء مصر دورًا مهمًا في المناطق الصحراوية والبحرية الجنوبية، كالدور الذي أُعطي لإمارة القرم في سياسات السهوب الشمالية وأوراسيا، وكانت المنطقتان كجناحين للدولة، وعندما أضعف الروس مسار البلقان، وأضعف محمد علي باشا وابنه إبراهيم مسار الأناضول، في بداية القرن التاسع عشر، أدى ذلك إلى فقدان هاتين المنطقتين لأدوارهما، وما تلا ذلك من زعزعة التوازنات الداخلية للدولة العثمانية، وتعرّض المضيقين وإسطنبول للتهديد. وكانت الدولة العثمانية اتخذت سياسات جادة حيال ليبيا وتونس من أجل إحداث توازنات غربي المتوسط، ومن أجل اكتساب عمق صحراوي باتجاه الجنوب، واعتمدت استراتيجية امتدت لقرون، تهدف إلى الاستفادة من تأثير وفعالية البحر المتوسط في السيطرة على شمالي إفريقيا، ومن ثم الإشراف على القارة الأوروبية من هذه الجهة. ولعبت المهارة الإدارية والدبلوماسية والعسكرية للدولة العثمانية دورًا في إفريقيا الشمالية بنفس قوة دورها في أوروبا الشرقية [2] . فإن أرادت تركيا أن لا تبقى في ذيل الراكب في هذه المنافسة الصعبة، فيجب عليها أن تغير وجهة نظرها تجاه المناطق التي لم تهتم بها بشكل كافٍ، وفي مقدمة هذه المناطق إفريقيا. وبالرغم من عدم وجود اتصال مباشر لها مع
(1) - المصدر السابق، ص144.
(2) - المصدر السابق، ص233 - 234.