فمنطقة المغرب العربي تعتبر عمومًا منطقة نفوذ فرنسية منذ عام 1830 تاريخ احتلال فرنسا للجزائر. وبعد نهاية الحرب الباردة وضعت فرنسا استراتيجية جديدة ذات أولوية، لإبقاء تونس والمغرب والجزائر، ضمن فلكها الاقتصادي والسياسي والثقافي من خلال آليات جديدة طوّرتها خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة التي تُعتبر من حيث الجدوى أكثر فائدة لفرنسا من الاستعمار القديم أو التقليدي. وتشكل المنطقة إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية الفرنسية، وهو الذي عبّر عنه الرئيس السابق فرانسوا ميتران في القمة الفرنسية الإفريقية التي انعقدت في فرنسا عام 1994، حين أكد أنه"بدون هذه المنطقة لن يكون لفرنسا تاريخ في القرن الواحد والعشرين، فالمنطقة كانت مجد فرنسا ومنطقة نفوذها التاريخي، لذا من الصعب تخيل قيام رئيس أو حكومة في فرنسا أيًا ما كانت توجهاتها بالتخلي عنها". وما أدلى به ميتران حينئذ هو استمرار لسياسة قديمة، حيث سبقه إلى ذلك الجنرال ديغول الذي أرسى تقليدًا لا يزال ساريًا وصولًا إلى ساركوزي، ويُشرف بموجبه رئيس الدولة بمعاونة مستشاريه على ملف الشؤون المغاربية ويصنّف هذا الملف بأنه بالغ السرية. وتسعى الدبلوماسية الفرنسية إلى استرجاع مكانتها في المنطقة بواسطة سلسلة من المواقف والسياسات التي تستجيب لتبدلات السياسة الخارجية، وتتمسك فرنسا بالحضور فيها بشكل انفرادي ومؤثر عن باقي الإمبرياليات في العالم [1] .
ولما كان الصراع بعد الحرب الباردة قد تحوّل من طابعه الأيديولوجي العسكري إلى منطق التنافس الاقتصادي القائم على استغلال الفرص والموارد، لذلك تُعتبر منطقة المغرب العربي من بين أولويات السياسة الخارجية الفرنسية، إضافة لارتباطها التاريخي معها وقرب المسافة بينهما، حيث إن أي خطر يهدّد المنطقة يمكن أن يصل إلى فرنسا باعتبارها بوابة أوروبا على الجهة المتوسطية، ومنها المزاحمة الدولية في المنطقة
(1) - بيرم فاطمة، أبعاد السياسة الخارجية الفرنسية إزاء المغرب العربي بعد الحرب الباردة، رسالة ماجيستير في العلوم السياسية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، السنة الجامعية 2009 - 2010، ص8 - 9.