الصفحة 16 من 32

آخر صحيح وجب الجمع بينهما بما قد يلغي بعض الحكم الذي يدل عليه ظاهر الحديث الآخر.

وفي المقابل من حكم على حديث بالضعف لزم من ذلك ترك العمل به استقلالا.

وقد أدرك علماؤنا الأوائل خطورة هذا الباب فلذا لم يلجه في الغالب إلا من كان أهلا لذلك، ولعل هذا مما يفسر لنا كثرة رواة الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، مع قلة من يتكلم في الأحاديث تصحيحا وتضعيفا، وفي الرواة تجريحا وتعديلا، أما اليوم فانعكس الأمر، فقل أن تجد من يحفظ ألف حديث من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حفظا متقنا، بينما تجد ألوفا يصححون ويضعفون، ويجرحون ويعدلون، ولو كانوا عن علم يفعلون ذلك لكانوا قرة عين لأهل الحديث، ولكن مع الأسف أكثرهم أدخل نفسه فيما لا يحسن، وتجسم الكلام في مواضيع كان يهبها الأئمة الأوائل، وأخذ يرد أقوال العلماء المحققين بالجهل وسوء الفهم.

وقال أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي: سمعت علي بن الحسين بن الجنيد سمعت يحيى بن معين يقول: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتين سنة [1] .

قال ابن مهرويه: فدخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب «الجرح والتعديل» فحدثته بهذا، فبكى وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب، وجعل يبكي ويستعيدني الحكاية.

علق الحافظ الذهبي على هذا الخبر بقوله: (قلت: أصابه على طريق الوجل وخوف العاقبة، وإلا فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين

(1) علق الذهبي على هذه العبارة بقوله: (قلت: لعلها من مئة سنة، فإن ذلك لا يبلغ في أيام يحيى هذا القدر) ا. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت