الصفحة 20 من 23

إن زيارة بوش في منتصف شهر صفر لعام 1423هـ لكل من روسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، لا تعد هذه الزيارة إلا علامة من علامات الهزيمة الأمريكية، فقد جثت أمريكا على ركبها وعادت إلى استجداء عدو صريح لها، واستجداء أعداء آخرين من وراء الكواليس، فالمتابع لتصريحات بوش أثناء تلك الزيارة يلاحظ أنه أبدى درجة عالية من المرونة ومن تغيير المبادئ التي أعلنها في بداية ولايته، فكم كان يعلن عن مواصلة برامج التسلح ويعلن عزم الناتو على مواصلة التوسع شرقًا مهما كان الثمن، إلى غير ذلك من التصريحات النارية التي تشعر بأن أمريكا سوف تنقض على كل من عارضها سواءً كانت روسيا أو حلفائها من أوروبا، إلا أن ضربات جمادى وانهيار الاقتصاد الأمريكي أعطت بوش درسًا في التسامح فذهب ليحشد أكبر عدد من الحلفاء على حساب مبادئه التي سبق أن نعق بها في كل محفل، ولم يتمسك إلا بهدف واحد هو محاربة الإرهاب وذلك لسببين:

أولهما: أنه تأكد بعد غزوتي واشنطن ونيويورك بأن الخطر الإسلامي هو الخطر الحقيقي الذي كسر جميع القيود وتخطى كل الحواجز ووجه ضربة قاتلة للأمريكان، ونقل الحرب داخل أمريكا وهذا ما لم يفعله حلف وراسو من قبل، فبان له أن الخطر الإسلامي هو الخطر الذي سيهدد أمريكا ومصالحها في كل مكان لا سيما النفطية منها، وهو الخطر القابل للانتشار والذي يملك مقومات البقاء ولا يتأثر بكثرة القتل أو الخسائر التي تلحق به، فأصبح القضاء عليه أولًا هو الهدف الاستراتيجي الذي سيتيح فيما بعد لأمريكا أن تنهض من جديد دون خطر يهددها، لأنها تعلم أن الذي وجه لها هذه الضربة على قلة إمكاناته قادر على أن يوجه لها أخرى يعيدها من جديد لمثل هذه الحالة إذا نهضت، فأصبح تقدمها القادم مرهون بالقضاء على هذا الخطر.

ثانيها: أن أمريكا عندما عادت لتضع يدها في يد عدوها وحلفائها الذين عانوا ظلمها رأت أن تخرج من قضايا الخلاف كلها، وتتجه إلى قضية متفق عليها بين الجميع، وتضخم من تلك القضية لتكون سببًا مقنعًا لتنازلها عن أشياء أبدى بوش نفسه استعداده للقتال من أجلها فيما سبق.

ويوضح وزير الدفاع الأمريكي في مقال له نشرتها مجلة (فورين أفيرز) في شهر صفر 1423هـ الموافق لمايو 2002م بعنوان (تحويل المؤسسة العسكرية بعد ضربات سبتمبر) كيف قلبت هذه الضربات الموفقة كيان أمريكا وأدخلتها في تخبط عميق وجعلت أمريكا تعيد استراتيجياتها من جديد بل وتتنازل عن أهمها فيقول "لقد بات علينا الإدراك بأن الأمور لم تعد على ذلك القدر من الوضوح الذي كانت تتسم به في السابق، فالتحدي الذي نواجهه حاليًا صعب ومعقد، حيث يتعين علينا أن ندافع عن بلادنا ضد عدو مجهول، وغير محدد، وغير مرئي، وغير متوقع" وقال "بات من الضروري التخلي عن برامج تسليحية عدة تعود في جذورها التطويرية والإنتاجية إلى أيام الحرب الباردة" - ثم بدأ بتعداد كل برامج الدفاع الأمريكية الاستراتيجية تقريبًا - وقال "لقد أثبتت أحداث 11 أيلول الماضي أن الإرهابيين لم يرتدعوا بالترسانة الأمريكية الضخمة من الصواريخ البالستية الاستراتيجية العابرة للقارات، ولهذا يتعين علينا الآن أن نعمل على صوغ وسائل وأساليب جديدة من الردع، وأنماط جديدة من القدرات الهجومية والدفاعية على حد سواء، وهذه الوسائل التي يختصرها الوزير بالتعبير الثلاثي الجديد الذي سيقوم عليه ركائز القوة العسكرية والمفاهيم الاستراتيجية الأمريكية مستقبلًا هي: تقليص القوات النووية، وتطوير القدرات الهجومية التقليدية، واستكمال إطار القدرات الدفاعية الشاملة" وقال "إن الهدف الأول من صدورها هو رغبة إدارة بوش برسم الخطوط العامة التي تعتزم السير عليها خلال المراحل التالية المفترضة من حربها المعلنة ضد الإرهاب".

وفي تخبط واضح ومناقضة لكلامه السابق فقد صرح وزير الدفاع في مؤتمر صحفي أثناء زيارته للكويت يوم 29/ 3/1423هـ بقوله "وتتهم الولايات المتحدة العراق بتطوير أسلحة للدمار الشامل ورعاية ما يسمى بالإرهاب، وعندما سئل رمسفيلد عن نفي العراق تطويره أسلحة الدمار الشامل سارع بقوله "إنهم يكذبون، إنهم يمتلكونها ويواصلون تطويرها وحولوا مواد كيماوية إلى أسلحة، نحن نعلم ذلك، لديهم برنامج نشط لتطوير أسلحة نووية، من الواضح أيضًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت