ان الكشوف العلمية الحديثة جاءت ، كما يقول سوليفان:"لكي تقطع الطريق على تلك المناقشات التي قامت لتثبت ان أيًا من التفسيرات (الدينية) ماهو الامجرد وهم . لقد فعلت هذا عندما اظهرت ان العلم لا يعالج الا ناحية جزئية من الحقيقة ، وانه لايوجد ادنى سبب يبرر الافتراض بان كل ما يجهله العلم ، او يتجاهله هو اقل حقيقة مما يعرفه .." (23) .
ثمة تساؤل يفرض نفسه هنا: اذا كانت آيات القرآن ومقاطعه تتضمن حقائق ومسلمات مطلقة لايأتيها الباطل من بين يديها ولامن من خلفها ، بينما تضل معطيات العلم أسيرة نسبيتها وتغيرها وقلقها وتحولها ، فكيف يلتقي المطلق بالنسبي ، والكلي بالجزئي ، والشامل بالمحدود ؟ وهل يصح ان نفسر بعض آيات القرآن على ضوء نظرية اوكشف علمي قد يتعرضان في اية لحظة للتشكيك والنقض ؟ ألا يقود هذا الى نوع من التشكك والتناقض يمتد الى صميم المعطيات القرآنية نفسها ؟.
سيقودنا الجواب الى استقراء القرآن نفسه لتفحص الابعاد الاربعة التي تناول من خلالها مسألة العلم هذه كما رأينا ، والتي تشكل موضوع هذا البحث الموجز ، وسنضطر ، بين الحين والحين ، الى اعتماد مقاطع وفقرات سبق وان التقى بها القاريء في كتب اخرى ، وبخاصة (التفسير الاسلامي للتأريخ) ، لانها اذ وردت هناك متفرقة لخدمة سياقات منهجية اخرى .. فانها تأتي هاهنا كضرورة لأستكمال الصورة عن الموضوع الذي بين ايدينا ، كما سنضطر احيانًا اخرى الى مجرد الاحالة تجاوزًا للتكرار ..
اهداف العلم والمباديء الاسلامية الأساسية
تعنى فلسفة العلم بتفحص وتحليل الاهداف التي يسعى لتحقيقها وطبيعة ارتباطاتها بأنشطة الانسان الحضارية من جهة وبرؤيته للكون والحياة والعالم من جهة اخرى .
وعلى ذلك يبدو البحث العلمي ، ومناهجه التجريبية في الكشف والتطبيق (ضرورة) من ضرورات الحياة الاسلامية ، وليست مسألة (كمالية) او امرًا ثانويا .