حَسنٌ أن نمارس من البداية نقدًا, فالكثيرون ضمن مجتمع العنف يمارسون قسوة على الآخرين, ويوزعون المسؤوليات, ويستثنون أنفسهم!
إن العاطفة الحية هي المادة الرابطة بين لبنات البناء, وبدونها يقع الاحتكاك وينهار البرج المشيد.
فكيف إذا فُقدت هذه الرابطة, وحل محلها النقيض, وهو القسوة والجفاء؟!
ثمة مجالات كثيرة للأذى إذا فقدت القلوب ترابطها...
وحتى الأذى لا يستطيع القانون أن يمسك به ولا يدينه؛ لأنه من الخفاء بمكان.
أرأيت لاعب الكرة حين يتلطّف - ويا له من تلطّف!- في تعويق حركة صاحبه, أو إسقاطه دون أن ترصده كاميرات التصوير, أو يلاحظه الحكم؟
إنها القصة التي تتكرر كل لحظة في مكان ما... في البيت, أو العمل, أو المتجر أو ساحة الحياة.
قسوة الصحراء تطبع أخلاقيات المجتمع، فيتعامل الناس كالتروس الصماء, تسمع صرير احتكاكها من مكان بعيد.
لقد وردت كلمة (القسوة) في القرآن الكريم في سبعة مواضع كلها في سياق الذم, وكفى بهذا تنفيرًا وتحذيرًا؛ منها:"ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ" [البقرة:74] ،"وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ" [الأنعام: 43] "فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ" [الزمر:22] ،"وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً" [المائدة:13] ، وفي البخاري (أَلاَ إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ...) ، وهم أصحاب المال الكثير المختالون الذين تعلو أصواتهم في خيلهم وإبلهم وحروبهم, ونحو ذلك...
وفي حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعاذ من القسوة. رواه الحاكم والبيهقي.
وبالمقابل وصف الله ذاته بالرحمة, وكتبها على نفسه, وسبقت رحمته غضبه, والرحمة لا تُنزع إلا مِن شقي, والشاة إنْ رحمتَها رحمك الله, وإنما بعث الله نبيه محمدًا رحمة للعالمين.
فالرحمة أسلوب الأقوياء المسيطرين على دوافعهم ونوازعهم، والقسوة أسلوب الضعفاء البطاشين.