وقد تولى عمر بن عبد العزيز عمارةَ مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوليد، وذَهَّبَ سَقْفَهُ [1] ، وإن قيل: إن ذلك امتثال لأمر الوليد، فأقول: إن الوليد وأمثالَهَ من الملوك إنما تصعب مخالفتهم فيما لهم فيه غرض يتعلق بملكهم ونحوه، أما مثل هذا وفيه توفير عليهم في أموالهم فلا تصعب مراجعتهم فيه، فسكوت عمر بن عبد العزيز، وأمثاله، وأكبر منه، مثل: / سعيد بن المسيب، وبقية فقهاء المدينة، وغيرهما دليل لجواز ذلك [2] ، بل أقول: قد ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بعد ذلك، وأراد أن يزيل ما في جامع بني أمية من الذهب، فقيل له: إنه لا يتحصل منه شيء يقوم بأجرة حَكِّه، فتركَهُ، والصفائح التي على الكعبة يتحصل منها شيء كبير، فلو كان فعلها حرامًا لأزالها في خلافته، لأنه إمام هدى، فلما سكت عنها، وتركها، وجب القطع بجوازها [3] ،
(1) انظر: المنتظم 6/ 283، المغانم المطابة في معالم طابة 1/ 422، نزهة الناظرين 44 - 47.
(2) تعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: إن تجويز ستر الكعبة بالديباج قام الإجماع عليه، وأما التحلية بالذهب والفضة فلم ينقل عن فعل من يعتد به، والوليد لا حجة في فعله، وترك عمر بن عبد العزيز النكير أو الإزالة يحتمل عدة معان. وماتطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فتح الباري 3/ 535 بتصرف.
(3) رد الفيروزآبادي عليه بقوله: وفي هذا القول أمران: أحدهما: أن أمر عمر بن عبد العزيز بحك المموه دليل على عدم جواز تحلية المساجد بالذهب قليله وكثيره، والقناديل أَطَمُّ وأَعظمُ .. الثاني: أن في أيام عمر بن عبد العزيز لم يثبت أنه كانت على الكعبة صفائح الذهب والفضة ولاقناديل منهما شيء، وإنما صارت بعده في خلافة بني العباس، وعلى تقدير أنها كانت موجودة، وصح أن الوليد أول من عمل ذلك، وكانت باقية إلى خلافة عمر بن عبد العزيز فسكوته عنها، وتركه الأمر بإزالتها يحتمل وجوهًا: منها أنه غفل عنها لاشتغاله بما هو أعظم وأهم. ومنها: أن الصفائح ليس حكمها حكم القناديل. اهـ بتصرف، المغانم 3/ 1332 - 1333.