عمد الزجاجي إلى التأليف فكان محكم الحدود، وعلى ذلك كتابه (الجُمل) وقد اتسم بالبيان والوضوح فجاء قريب المنال سهل الأسلوب متسني التحصيل. وقد اشتهر الكتاب وتعددت شروحه وشاعت. وثمة كتاب (الإيضاح في علل النحو) ، وقد بحث فيه القياس والعلل والخلاف بين البصريين والكوفيين، وجعل العلة تعليمية وقياسية وجدلية نظرية، وقصد بالتعليمية ما أريد به تعليم النحو كقولك رفع الفاعل لأنه فاعل ونصب المفعول لأنه مفعول، وقصد بالقياسية تعليل الحكم في حمل المقيس على المقيس عليه كقولك في (إن وأخواتها) انها نصبت الفعل لمشابهتها الفعل المتعدي ذا المفعول الواحد، فأشبه اسمها المنصوب المفعول به لفظًا، وأشبه خبرها المرفوع الفاعل لفظًا. أما العلة الجدلية النظرية فقد ذهب بها إلى ما وراء ذلك كسؤالك لِم رُفع الفاعل ونُصب المفعول؟ وجوابك رُفع الفاعل لأن الضم ثقيل ونُصب المفعول لأن الفتح خفيف، والمفعول كثير في كلام العرب فكان أولى بالخفة فاستحق الفتح، والفاعل قليل فهو أجدر بالضم، وإذا كان الزجاجي قد عني ببحث العلل فقد اهتم فيها غالبًا بما أفاد أصول النحو واللغة كالعلة التعليمية والقياسية، ولم يُعن بالعلل الجدلية فيغلو فيها غلوّ الأنباري أبي البركات، ويمزج النحو بالمنطق. وإذا كان كتاب (الإيضاح) هذا نموذجًا بينًا لاتصال هذين العلمين، فقد كان اتصالًا لم تختلط فيه الحدود أو تلتبس فيه السمات. وقد كان ابن كيسان (299هـ) بصريًا كوفيًا، وهو بالبصرية أعلق، وكان أبو موسى الحامض (305هـ) كوفيًا بصريًا وهو إلى الكوفية أدنى..
القياس حدوده والحاجة إليه
القياس هو حمل الفرع على الأصل لعلة جامعة بينهما بإعطاء المقيس حكم المقيس عليه. وقد تشعبت آراء الأئمة عامة في الأخذ به في مسائل كثيرة. فمنهم من اشتد فنهج له حدودًا ضيقة لا يعدوها، ومنهم من تعلق به وتخوّض فيه، فجرى فيه بغير عنان.