كان محمد تقيأ بالفطرة ، وكان من غير ريب مهيأ لحمل رسالة الإصلاح التي تلقاها في رؤاه . وبالإضافة إلى طبيعته الروحية ، كان في جوهره رجلًا عمليًا عرف مواطن الضعف ومواطن القوة في الخلق العربي ، وأدرك أن الإصلاحات الضروريه ينبغي أن تقدم إلى البدو الذين لا يعرفون انضباطًا والى المدينين الوثنيين ، في آن معًا ، على نحو تدريجي . وفي الوقت نفسه كان محمد يملك إيمانًا لا يلين بفكرة الإله الواحد - وهى فكرة لم تكن جديدة كل الجدة في بلاد العرب - وعزمًا راسخًا على استئصال كل أثر من آثار عبادة الأصنام التي كانت سائدة بين الوثنيين العرب )) [1] .
أما الباحث العسكري جان باغوت غلوب ، الذي عرف في البلاد العربية باسم غلوب باشا ، حيث كان رئيسًا لاركان الجيش الأردني ، فقد كتب عن تحنث الرسول ، ونزول الوحي عليه في كتابه: « الفتوحات العربية الكبرى » ، بقوله:
(( واقترب عام 610 ميلادية ، وكان محمد قد بلغ الأربعين من عمره وازداد ميله إلى الوحدة والتأمل . وكان يهرب من طرقات مكة المحرقة المغبرة ، ويلجأ إلى كهوف الجبال القريبة من الوادي العتيق الذي تقبع فيه المدينة ليقض فيا أحيانًا أيامًا متوالية . وتسرح أفكار الرجل متأملًا في هذه القمم الجرداء الداكنة التي يراها من فتحات الكهوف ، والتي لا تظهر عليها نأمة حياة ، ولا تفصلها عن بعضها إلا شعاب عميقة ضيقة من الأخاديد والوديان الجافة ، و تعود فتتركز على فلسفة الحياة الأخرى التي كان قد سمع نتفًا عنها من اليهود والنصارى ، وعلى وجود اله واحد أحد قوي صمد عنده الجنة السرمدية والحياة السعيدة الأزلية ، يمنحها للمؤمنين من عباده ، وعنده جحيم بما فيما من عذاب لا نهاية له ينزله بالكفرة وغير الصالحين .
(1) المصدر السابق ، ص 32.