وأغلب الظن أن محمدًا قد انصرف إلى التفكير في المسائل الدينية في فترة مبكرة جدًا ، وهو أمر لم يكن مستغربًا عند أصحاب النفوس الصافية من معاصريه الذين قصرت العبادة الوثنية عن أرواء ظمئهم الروحي . و تذهب الروايات إلى أنه اتصل في رحلاته ببعض اليهود والنصارى ، أما في مكة نفسها فلعله اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والإنجيل هزيلة إلى حد بعيد . ومع الأيام أخذ الإيمان بالله يعمر قلبه ويملك عليه نفسه ، فيتجلى له فرغ الآلهة الأخرى )) [1] .
ويجدر بنا أن نقف عند نقطة هامة ، أثارها بروكلمان عرضًا ، لكن وقف عندها الكثير من الباحثين الفرنسيين ، وهي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ من اليهود والمسيحيين أخبارهم السالفة ، ومعلوماتهم الدينية والتاريخية ليشككوا بصدق الوحي ، لينتهوا إلى القول بأن القرآن من تأليف محمد ، ولقد أشار الباحث العربي اللبناني الدكتور عمر فروخ في تعليقه على كتاب بروكلمان بقوله:
(( أكثر المبشرين والمستشرقين يذكرون أن الرسول اتصل ببعض النصارى واليهود وأخذ عنهم عددًا من المعلومات الدينية والتاريخية . ثم هم يذكرون أن هذه المعلومات كانت خاطئة أو ناقصة .
أما وجه الحق فخلاف ذلك . إلا أنني لا أريد أن أريد هنا على المبشرين والمستشرقين مفندًا جميع أقوالهم فذلك مما يطول ، ومما اشتعل به نفر من العلماء أيضا كالشيخ محمد عبده . ولكنني أقول أن العرب أنفسهم قالوا للرسول أن ما في القرآن يشبه بعض ما يقوله علماء اليهود ، فنزلت الآيات الكريمة ( 26/192 - 197) : { وانه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروحُ الأمينُ . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين . وانه لفي زبر [2] الأولين . أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى إسرائيل ؟ } .
(1) كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية ، ص 34.
(2) زُبر: كتب .