نعم ، هو نور الله قد سطع ئ روح ذلك الرجل فأنار ظلماتها، هو فياء باهر كشف تلك الظلمات التي كانت تؤذن بالخسران والهلاك ، وقد سماه محمد _عليه السلام _ وحيًا و « جبريل » ، وأينا يستطيع أن يحدث له اسمًا ، ألم يجيء في الإنجيل أن وحى الله يهبنا الفهم والإدراك ، ولا شك أن العلم والنفاذ إلى صميم الأمور وجواهر الأشياء سر من أغمض الأسرار لا يكاد المنطقيون يلمسون منه إلا قشوره . وقد قال نوفاليس: « أليس الإيمان هو المعجزة الحقة الدالة على الله ؟ » فشعور محمد - إذ اشتعلت روحه بلهيب هذه الحقيقة الساطعة _ بأن الحقيقة المذكورة هي أهم ما يجب على الناس علمه ، لم يك إلا أمرًا بديهيًا ، وكون الله قد أنعم عليه بكشفها له ونجاه من الهلاك والظلمة ، وكونه قد أصبح مضطرًا إلى إظهارها للعالم أجمع ، هذا كله هو معنى كلمة ( محمد رسول الله) وهذا هو الصدق الجلي والحق المبين )) [1] .
لقد أنار نزوع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الوحدة والتأمل الوجداني العميق ، مفكرًا بالشؤون الدينية والقضايا الاجتماعية ، أنار له الطريق لإدراك جوانب الفساد وضروب الضلال في المجتمع المكي، كما كشف له الحقيقة الأزلية: حتمية وجود خالق فرد صمد ، ولا بد بالتالي أن يخضع هذا الكون الكبير لنواميس تديره ، ~ من أصنام قريش وأوثانها .
ويتحدث المؤرخ الألماني كارل بروكلمان في كتابه: « تاريخ الشعوب الإسلامية » عن بعثة الرسول بقوله:
(1) المصدر السابق: ص 72.