وكان من شأن محمد أن يعتزل الناس في شهر رمضان ، فينقطع إلى السكون والوحدة دأب العرب وعادتهم ، ونعمت العادة ما أجل وأنفع ، ولا سيما الرجل كمحمد ، لقد كان يخلو إلى نفسه فيناجي ضميره صامتًا بين الجبال الصامتة ، متفتحًا صدره لأصوات الكون الغامضة الخفية . آجل ، حبذا تلك عادة ونعمت ، فلما كان في الأربعين من عمره وقد خلا إلى نفسه في غار بجبل ( حراء ) قرب مكة شهر رمضان ، ليفكر في تلك المسائل الكبرى ، إذ هو قد خرج إلى خديجة ذات يوم ، وكان قد استصحبها ذلك العام و أنزلها قريبًا من مكان خلوته ، فقال لها: انه بفضل الله قد استجلى غامض السر واستثار كامن الأمر ، وأنه قد أنارت الشبهة وانجلى الشك وبرح الخفاء ، وآن جميع هذه الأصنام محال ، وليست إلا أخشابًا حقيرة ، وان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، فهو الحق وكل ما خلاه باطل ، خلقنا ويرزقنا وما نحن وسائر الخلق والكائنات إلا ظل له وستار يحجب النور الأبدي والرونق السرمدي ، الله اكبر والله الحمد ، ثم الإسلام وهو آن نسلم الأمر لله ، ونذعن له ، ونسكن إليه ، ونتوكل عليه ، وآن القوة كل القوة في الاستنامة لحكمه ، والخضوع لحكمته ، والرضا بقسمته ، أية كانت في هذه الدنيا وفي الآخرة ، ومهما يصبنا به الله ولو كان الموت الزؤام فلنلقه بوجه مبسوط و نفس مغتبطة راضية ، و نعلم أنه الخير وآن لا خير إلا هو )) [1] .
ويتابع كارليل الحديث عن هذا الاعتكاف والتفكر في شؤون الحياة والكون ، إذ كشفت له الحقيقة وأنيرت بصيرته ، مع نزول الوحي عليه » بقوله:
(1) توماس كارليل: الإبطال ، ص 70-71.