حتى إذا مني القرشيون بالخيبة في تلك المحاولات جميعًا عزموا على اللجوء إلى سلاحهم الأخير . كان ذلك في السنة ألسابعة للدعوة ، وكانت كثرة المسلمين قد وفقت إلى الفرار بأنفسها إلى الحبشة . وكان هزة وعمر قد اعتنقا الإسلام ، وكذلك أبو طالب قد رفض صراحة ، أن يخذل الرسول نزولا عند مطلب قريش . وباستثناء أبي لهب كان بنو هاشم كلهم قد عقدوا العزم على أن ينصروه ويقاتلوا دفاعًا عنه حتى الرجل الأخير . وفوق هذا ، فقد راح نور الإسلام ينتشر من قبيلة إلى قبيلة . من أجل ذلك قرر القرشيون إذ يفرضوا حرمًا اجتماعيًا على بي هاشم ، فلا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم ولا يبيعونهم شيئًا ولا يبتاعون منهم شيئًا . ثم أنهم كتبوا صحيفة بهذا المعنى وعلقوها في ( جوف ) الكعبة لكي يعطوها معنى القداسة . فلما سمع بنو هاشم بهذا شخصوا إلى موطن منعزل من
مكة يعرف بالشعب )) [1] .
ووقفت قبيلة بني هاشم موقفًا شجاعًا بتأييدها الرسول وقبلت الحرم الاجتماعي رغم أن الإسلام لم يعم سائر أفرادها ، وينبع موقفها هذا من موقف أبي طالب من جهة ، ولاحترامها النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة ثانية ، فرفضت التخلي عنه في أيام محنته . . .
هذا ، وشكل الحرم الاجتماعي مصاعب جدية أمام الدعوة الإسلامية ، إذ مرت في مرحلة جمود بعد نهضتها السابقة ، فلم يعد بالامكان أن يتصل المسلمون بالقبائل العربية وهم محصورون داخل شعب أبي طالب ، ذلك أن بني هاشم قبلوا ببطولة ملحمية أن يقفوا مع الرسول في محنته ، ويعيشوا في أشد الظروف قساوة في ظل المقاطعة القرشية اجتماعيًا واقتصاديًا .
ثبات الرسول على المبدأ
رغم أن الحصار دام ثلاث سنوات ، لكن ما لبث أن ظهرت المعارضة داخل صفوف القرشيين لفك الحصار عن بني هاشم والمسلمين ، ولاسيما بعد تمزق صحيفة الطرد الجماعي المعلقة في الكعبة ، فكان أن عادت الدعوة مرة أخرى إلى نشاطها .
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته ، ص 101.