ولكن الرسول ما فتىء أن عاد إلى داره وشعر بضميره يعذبه ، فهل من الحق أن يهادن الشرك حتى ولو كانت غايته إنقاذ أتباعه من الاضطهاد وظهر له جبريل من جديد وأخذ يعاتبه . وأحس بالألم والخوف من الله . انه لا يرضى عن تراجعه وقرر أن يتراجع عن موقفه السابق وأن يواجه من جديد غضب قومه . وعاد إلى القوم فأكمل على مسامعهم السورة على النحو الذي يبدو في القرآن . وأثار هذا التراجع سخط أهل مكة واستفزهم فعادوا إلى اضطهاد المسلمين )) [1] .
ويعتبر المستشرقون أن اعتراف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالآلهة الثلاث كان وراء هدف سياسي لكسب الأنصار في مكة والمدينة والطائف ، واستمالة عدد من زعماء قريش . . . غير أنه من الأهمية بمكان ، التأكيد على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي عرف طوال عمره بروحه الكفاحية العالية التي لا تهادن لا يمكن البتة أن يعترف بتلك الآلهة ، ويقع في فخ الشرك الذي كان أساس دعواه القضاء عليه وإقامة الوحدانية . . وهذا مما يؤكد بدوره اختلاق هذا الخبر المدسوس في كتب الحديث المشهورة بضعفها وعدم ثقة رواتها .
و نرى أن نثبت هنا مارد به الباحث اللبناني الدكتور عمر فروخ في تعليقه على كتاب بروكلمان ومناقشته تمسك المبشرين بهذه الرواية ، يقول ذلك العلامة:
(( الكلام في هذا الموضوع كثير ، وجله خارج عن الحقيقة . وخلاصة الموضوع توجز في ما يلي:
"زعم توم من الرواة أن الرسول قوًا يومًا في سورة النجم ( السورة 53 ) : { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } ( الآيات 19 _ 20 ) ثم قرأً بعدها:"تلك الغرايق العلى وان شفاعتهم لترتجى"."
وأمسك المبشرون وبعض المستشرقين بهذه الروايه وزعموا أن الرسول لم أنما فعل ذلك لما قاومه مشركو مكة ، فأحب أن يقترب منهم فمدح آلهتهم ثم عدوا عمله هذا تراجعًا عن تشدده في التوحيد ومجابهة الأصنام .
(1) جان باغوت غلوب: الفتوحات العربية الكبرى ، ص 67-69.