فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 304

وفي تلك الفترة المتأزمة في تاريخ مسيرة الدعوة الإسلامية ، التي شهدت هجرة المسلمين إلى الحبشة ، تحول أعظم رجلين من رجالات قريش إلى الإسلام وهما حمزة عم الرسول وعمر بن الخطاب ، فبلغ الصراع بين المشركين والمسلمين أعلى مراحل احتدامه ، وهنا ، في هذه الفترة بالذات يأتي خبر « الغرانيق العلى » ليحدث في سيرة الرسول ومسيرة الدعوة الإسلامية شرخًا ، بإيمان النبي محمد وعسيرة الإسلام . . .

ورغم اقتناعنًا المسبق باختلاق خبر (الغرانيق العلي) ، لكننا آثرنا الوقوف عنده لأنه عمليًا ، أثار ضجة كبرى في الدراسات الإسلامية ، ونبهت الكثير من المستشرقين للتوقف عندها ، بل للتحقق من مدى صحتا تاريخيًا لما فيها من مساس برسول الإسلام ، وشخصيته العظيمة وحقيقة الصلح المؤقت المزعوم بينه وبين الزعامة القرشية . . . ويندرج في جملة من تحدث بها على أنها حقيقة ثابتة المؤرخ الألماني كارل بروكلمان الذي ذهب به الرأي إلى أنه رغم ما يعمر قلبه - صلى الله عليه وسلم - من إيمان بوحدانية الله جل جلاله وبالتالي بطلان آلهة قريش ، فقد اعترف في البدء بآلهتم الغرانيق الثلاث ، اللات والعزى ومناة ، يقول:

(( ولكنه على ما يظهر اعترف في السنوات الأولى من بعثته بآلهة الكعبة الثلاث اللواتي كان مواطنوه يعتبرونها بنات الله . ولقد أشار إليهن في إحدى الآيات الموحاة إليه بقوله:"تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى". أما بعد ذلك حين قوى شعور النبي بالوحدانية فلم يعترف بغير الملائكة شفعاء عند الله ، وجاءت السورة الثالثة والخمسون(النجم ) وفيها إنكار لأن تكون الآلهة الثلاث بنات الله . ولم يستطع التقليد المتأخر أن يعتبر ذلك التسليم إلا تحولًا أغراه به الشيطان ، ولذلك أرجئت حوادثه إلى أشد أوقات النبي ضيقًا في مكة ، ثم ما لبث أن أنكره و تبرأ منه في اليوم التالي )) [1] .

(1) كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الاسلامية ، ص 34-35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت