لقد افتتح الرسول حسب رأي العديد من المستشرقين عهدًا جديدًا ،وعصرًا للنور والعلم والمعرفة ، فكان نضاله حين صدع بالوحي ، لنشر رسالات ربه ، لإزالة ما تراكم في ذلك المجتمع القبلي الوثني من معتقدات بالية ، وأنماط اجتماعية متخلفة ، بل وأن يزيل ما تراكم على الرسالات السماوية السابقة ، ما لحق بها من تبديل وتحوير ، وما أدخله الجهلاء من خرافات وسخافات يدحضها العقل ، ولا تثبت أمام الحقائق . . وهذا ما دفع بالمفكر الفرنسي الكبير أحد عمالقة فلاسفة الاجتماع العلامة غوستاف لوبون (1841-1931) إلى أن يدعو أبناء عصره إلى الإقتداء بالرسول الكريم ، واعتناق دعوته لأن فيها صلاح المجتمعات الإنسانية ، يقول في كتابه"الحضارة الإسلامية":
(( أنني لا أدعو إلى بدعة محدثة ، ولا إلى ضلالة مستهجنة ، بل إلى دين عربي قدم أوحاه الله إلى نبيه محمد فكان أمينًا على بث دعوته بين قبائل رحل تلهت بعبادة الأحجار والأصنام ، وتلذذت بترهات الجاهلية ، فجمع صفوفهم بعد أن كانت مبعثرة ، ووحد كلمتم بعد أن كانت متفرقة ، ووجه أنظارهم لعبادة الخالق ، فكان خير البرية على الإطلاق حبًا ونسبًا وزعامة ونبوة ، هذا هو محمد الذي اعتق شريعته أربعمئة مليون مسلم ، منتشرين في أنحاء المعمورة ، يرتلون قرآنًا عربيًا مبينًا _إلى أن قال _:
فرسول كهذا جدير باتباع رسالته ، والمبادرة إلى اعتناق دعوته ، إذ أنها دعوة شريفة ، قوامها معرفة الخالق ، والحض على الخير والردع عن المنكر ، بل كل ما جاء فيها ما يرمي إلى الصلاح والإصلاح ، والصلاح أنشودة المؤمن ، وهو الذي أدعو إليه جميع النصارى )) [1] .
الروح الإصلاحي الإسلامي والمجتمعات المعاصرة
(1) غوستاف لوبون: الحضارة الاسلامية ، ص 67.