حتى الآن كان ينظر إلى حياة الرسول محمد من الخارج ، كصورة رائعة وجدت لنعجب بها ونقدمها ، فعلينا أن نبدأ بالنظر إليها من الداخل ، لنحياها ، كل عربي في الوقت الحاضر يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي ، ولو بنسبة الحصاة إلى الجبل والقطرة إلى البحر ، طبيعي أن يعجز أي رجل مهما بلفت عظمته أن يعمل ما عمل محمد ، ولكن من الطبيعي أن يستطيع أي رجل مهما ضاقت قدرته أن يكون مصغرًا ضئيلًا لمحمد ، ما دام ينتسب إلى الأمة التي حشدت كل قواها فأنجبت محمدًا ، أو بالأحرى ما دام هذا الرجل فردًا من أفراد الأمة التي حشد محمد كل قواه فأنجبها ، في وقت مضى تلخصت في رجل واحد كل حياة هذه الأمة في نهضتما الجديدة تفصيلًا لحياة رجلها العظيم ، كان محمد كل العرب ، فليكن كل. العرب اليوم محمدًا )) [1] .
مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ
لقد نظر منصفو المستشرقين إلى الرسول ليس كنبي عمل في إطار الجزيرة العربية فحسب ، بل كواضع أسس سياسة عالمية أثرت على المسيرة التاريخية كذلك ، يقول الكاتب الفرنسي المعاصر ، المستشرق مارسيل بوازار في مؤلفه:"إنسانية الإسلام":
(( ولم يكن محمد على الصعيد التاريخي مبشرًا بدين وحسب ، بل كان كذلك مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ ، وأثرت في تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق ) ) [2] .
عظيم في دينه عظيم في مناقبه
أما المستشرق الفرنسي ساديو لوي ( 1807-1875 ) فيتحدث عن عظمة الرسول لا لكونه صاحب رسالة عالمية فقط ، ورجلًا عسكريًا فاتحًا للعرب والعالم وحسب بل عن عظمته في دينه ومناقبه وحاجة الإنسانية لرجل مثله ، يقول:
(1) ميشيل عفلق: في سبيل البعث ، ص 35.
(2) ساديو لوي: تاريخ العرب ، ص 37.