وفي الرابع من أناشيد عبقر يثب الشيطان بالشاعر وثبة عظيمة تقذفهما إلى نهر الغي، حيث يلتقي ماردًا اسمه سرحوب، ما يفتأ يضرب النهر بعكّازه، فينفرج عن لجّة دهماء ظلماء كثيرة الشعاب يمشي فيها هذا المارد الأعمى كالبصير في النور، ويقدّم للشاعر عددًا من النصائح الخلقية التي تقوّم المجتمع في مواجهة الفساد الماديّ، يقول على لسان سرحوب:
يا أيُّها الهانِئونْ ... برُؤيَةِ الأسحارِ
والمَالِئونَ العُيونْ ... بِبَهجَةِ الأَنْوارِ
ماكُنتم تخبطونْ ... في لُجّةِ الآثامِ
لَوْ أنّكُمُ تُبْصِرُونْ ... مِثْلِيَ في الظّلامْ [1]
ثمّ في النشيد الخامس يقفزبه شيطانه إلى وادي سجين، فيرى إبليس قد استراح على عرشه بعد أن قلّد أبناءه الخمسة مقاليد الغواية والضلال.
الأوّل: (( ثُبَرّ ) )شيطان الحروب والدمار ومثير الفتن والأهوال، بدا وقد أطلق ضحكات الهزء والسخرية من بني البشر بعد أن نزع القيود من أرجل العبيد ليتوّج بها رؤوس الغزاة، ثمّ يظهر أخوه (( داسم ) )مزّيّن النقائص والدسائس، ومعلّم الناس أساليب الرياء والخداع، ثمّ يبدو (( أعور ) )إبليس الشهوة، يقول لبني البشر:
وَلْيَعْلَمِ العَاشِقُونْ ... أنَّ اصطِفَاقَ الجُفُونْ
في لذةٍ غَائِمهْ ... مَاهُو إلاّ مِرانْ
يُهَيّئُ الأجْفَانْ ... للنَّومَةِ الدَّائِمَهْ [2]
ثمّ يخرج (( زلنبور ) )شيطان المال، معبود أهل الذهب ومفضّض الأغلال، غير أنّ الجميع يسيرون في النهاية تحت راية (( مِسْوَطٍ ) )شيطان الكذب.
وفي النشيد السادس يتحدث المعلوف عن الهوجل والهوبر شيطاني الشعر، والهوجل يوحي الشعر الجيد ويعمل لأجل الحياة وبثّها في كلّ مكان، في حين يقوم الثاني على الإتلاف والتخريب وقد تمثّل ذلك في صورة إيحائيّة تصوّر الهوبر يأكل البسر ويرمي بالنواة على الأرض ليلتقطها الهوجل فيغرسها في الأرض.
(1) المصدر نفسه، ص: 184-185.
(2) المصدر نفسه، ص: 229.