الذين يبيعون أرواحهم لله، ويقدمون نفوسًا رخيصة في سبيل الدين، ثم قلّب نظرك في الآخرين حيث تجد ما وصفه رسول الله (بقوله:(( حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) ).
ولذلك فعنوان هذا الدين، وعنوان العاملين فيه وله؛ إنما هو ذكرى الدار الآخرة، وحب لقاء الله، والخوف من عذابه، والاستعداد ليوم القيامة، وحين يتحقق هذا المعنى في القلوب تهون بقية الأمور ويسهل تحصيلها، إذ بهذا الإيمان تنبعث الإرادات وتثور العزائم وتتحقق الفاعلية.
والقرآن الكريم إذ يقرر حقيقة سبب الإعراض عن حقائقه وهي «الغفلة» ؛ ليمنع الظنون من إسباغ العلمية على منكري الآخرة، وهؤلاء حين ينازعون في هذه الحقيقة يحاولون جاهدين جعل أقوالهم ذات صبغة علمية عقلية؛ فهُم القوم الذين لا تدخل الأهواء أقوالهم، بل هم أهل العلم والنظر في الكون وإدراك سُنَن الوجود .. وكل هذه أمام العلم الرباني بدخائل نفوسهم أكاذيب، فليس إلا الغفلة والهوى والجهل، فالقيامة ليست مخفية على العقول، ولا إدراك وجودها من مهماته الصعبة التي لا يصل إليها إلا الخواص، بل هي أكبر حقيقة في الوجود بعد حقيقة توحيد الله ?، وحين ينكرها منكر إنما مرجعه في ذلك؛ الغفلة والهوى والكذب على نفسه وعلى الآخرين.
ثمّ إن تعلق الدعوة مع الآخرة والإيمان بها هو تعلق وكِيد، لأن هذا الدين لا يقوم له ولا يأخذ به إلا من آمن بالآخرة كما قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (وقوله تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ (، وقد جعل القرآن الكريم كل قول لا يستند صاحبه فيه على الدار الآخرة هوى وكذبًا، كما قال ?: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (. واعلم أن أسَّ الكفر في الوجود هو عدم الإيمان بالدار الآخرة وبالساعة كما قال تعالى: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ (.
كما أن كل فسادٍ يقعُ في الأرض إنما هذا منشؤه، وما من طغيان يوقعه طاغوت أو ظالم إلا بسبب كفره بالدار الآخرة، كما قال عن قصة موسى (ومؤمن آل فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ? وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ