فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 198

سيبقى التدافع والمنازعة بين الفريقين، وعِلْمُ الأُمَّة بهذا الواجب يوجب عليهم أن لا ييأسوا حين الضعف، ولا يفرحوا عند القوة، فإن لكل حال ضده الذي سيخلفه، والمهتدي من نازع عند الضعف، ودفع عند القوة، ولكل أجل من الحالين كتاب كما قال تعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (.

-أمّا المعنى الثاني الذي يشمله هذا اللفظ القرآني فهو اقتراب الموت، فإن قوله تعالى: (حِسَابُهُمْ (فيه معنى الموت كذلك، ذلك لأن كلَّ ميتٍ قد بدأ حسابه، إذ أولُ الحساب هو القبر، والموتُ لكل أحد قيامتُه الصغرى، وغياب الموت عن ذهن الناس إنما هو لغفلة الدنيا، وهذا المعنى لاحقٌ للمعنى الأول، فالأول أصلي لأن من نزل عليهم القرآن في مكة كانوا منكرين للقيامة والبعث بعد الموت.

وهذه السورة إذ تبدأ بذكر الحساب فهي كمثيلاتها كسورة النحل التي قال الله فيها: (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (وسورة القمر كما تقدم في قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (وكالسورة التي تليها وهي الحج وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (وسور أخرى في المفصل معلومة لأهل القرآن، ذلك لأن أعظم ما ينتظر هذا الوجود - ومنه الإنسان - هو قيام الساعة، وقد عظَّم القرآن الكريم شأنها، وهي كذلك في قلوب المؤمنين كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا (وإخبار الله تعالى المؤمنين بها رحمة بهم ليستعدوا لها، وليكون إيمانهم بها باعثًا لهم على الطاعات وترك المعاصي، والإكثار من الأعمال التي تحقق لهم الأمان يومها.

ثمّ إن إنذار المؤمنين بيوم القيامة هو شأن أهل القرآن، وهو شأن المتابعين لسُنّة النبي (؛ فإن النبي (كانت هذه سُنّته مع أصحابه، فقد كان ينذرهم بها ويخوِّفهم من هَولها، لأن الصلاح والتقوى لا يحصلان في قلب العبد إلا بذكر الدار الآخرة والخوف من يوم القيامة وما وراءه كما قال تعالى عن أنبيائه: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (، ومن العلم الواجب تحصيله اليوم التحذير من «أنسنة» الإسلام وإفراغ معناه من ذكرى الدار الآخرة، ذلك لأن انشغال الناس اليوم من الدعاة وغيرهم في ردّ هجمات الملحدين على الإسلام ومحاولتهم إثبات صلوحه للعصر أوصلهم إلى إغفال أمر أخروية هذا الدين، مع أن هذا هو الأصل، وأما صلوحه الدنيويُّ فأمر تبع، لأنه لو حصل تنازع بين مصلحة الآخرة ومصلحة الدنيا لقدمت مصلحة الآخرة إجماعًا كالشهادة في سبيل الله تعالى، وهذا بيّن في كتاب الله تعالى، بل إن منازعة الكافرين زمن الاستضعاف لا يُقدم عليها إلا أهل اليقين بلقاء الله تعالى، وإنما يتخاذل وينافق ويتنكب أهل الريب وضعفاء الإيمان، وفي هذا لا يغرنك كثرة الكلام ولا شقشقته ولكن انظر إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت