هدي هذه الآية تعلم كذلك أن اتباع تلبيس الشيطان لا يكون إلا لغياب الإيمان بالآخرة والشك بها. وهذه السورة - أي سبأ - هي سورة اليوم الآخر؛ فإن الله افتتحها بذلك، وجعل علة وجود الكون؛ اليومَ الآخر كما قال ? فيها: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (ومطلعها حمد الله فيه نفسه في الآخرة اختصاصًا بعظمة هذا الحمد في هذا الموطن.
والكفر بيوم الحساب هو كفرٌ بالله لأنه طعنٌ في حكمته وعدله، ولذلك ترى كل من لا يؤمن بيوم القيامة لا ينسب لله الحكمة، بل هو يطعن فيها ويقول على الله الجهالات لأنه يجهل حكمة حصول الآلام في الوجود، كما يجهل ابتلاء المؤمنين به، فرؤيته آلام البشر واستكبار المجرمين وابتلاء الصادقين مع كفره بيوم الحساب والجزاء؛ يورثه الطعن بالله وإساءة الظن به جل في علاه، وهذا هو أساس الشرك والكفر، ولذلك قال تعالى: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (.
وقوله تعالى: (حِسَابُهُمْ (على معنيين: أولهما: جزاؤهم، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ? لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (وقوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (. وعلى هذا المعنى يكون قوله تعالى: (لِلنَّاسِ (أي عمومهم؛ مسلمهم وكافرهم.
وثانيهما: (حِسَابُهُمْ (أي سؤالهم، والله يقول: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ? فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ? وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ? وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ ? فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ? وَيَصْلَى سَعِيرًا (، وفي الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله (: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا هَلَكَ قالت: قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداءك؛ أليس يقول الله ?: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ? فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (قال: ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ. ومن معاني العرض الذي سماه رسول الله (وحصوله للمؤمنين؛ قوله (: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُ رَبَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ مَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ