الْحِسَابِ (، وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ? وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (.
ولذلك فمقامات العابدين والعاملين في هذا الدين إنما تعرف بمعيار ذكرى الدار الآخرة، فكلما ازداد المرء ذكرًا لها ازداد إيمانًا وعملًا وطاعة، كما أنه يزداد زهدًا في الدنيا وإعراضًا عن مباهجها، وكذلك العامل لدين الله كلما ازداد إيمانه بالدار الآخرة؛ ازداد صبرًا وثباتًا ويقينًا، فهي وقود العبَّاد والعلماء والصالحين والمجاهدين والصابرين، وهي سائقهم الذي يدفع إراداتهم بلا كلل، ويقوي عزائمهم عند اشتداد المحن، وهي التي تمنعهم من النوم كما قال عنهم: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الليْلِ مَا يَهْجَعُونَ (وإمامهم في ذلك رسول الله (وهو يقول:(( مَالِيَ وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ فَتَرَكَهَا ) )يقول هذا الكلام العظيم وهم يعرضون عليه مجرد فراشٍ ينام عليه بدل النوم على حصير النخل الغليظ الذي أثر في جنبه.
واعلم أن قضية الإيمان بالآخرة ليست مجرد تصور يتحدث عنه أهل الإسلام من باب التربية الخاصة، بل إن قضية الإيمان بالدار الآخرة وبلقاء الله تعالى هي أُسُّ حركة المسلم في هذه الدنيا في كل قضية يحياها ويجاهد فيها، فالمؤمنون بالله والعاملون لدين الله تعالى لا يمكن لهم النهوض في زمن الاستضعاف إلا بهذا الوقود، كما لا يمكن تثوير إراداتهم أمام جبال الباطل وقوته وجبروته والصمود أمامه ومنازعته إلا بحب الموت والدار الآخرة والرغبة في لقاء الله، وهذا أمرٌ يدركه أهل الباطل في شباب الإسلام وشيوخه، ولذلك فإن دهاقنتهم من المجرمين لا يفتؤون يشنون الغارات على هذا الإيمان، ويستهزءون بأهله، حين يصفونهم بالمجانين الراغبين بالحور العين، أو يسمونهم بصناع الموت، ذلك لأنهم يعلمون أن مجرد التفات الشباب إلى الحياة الدنيا وزهرتها ومباهجها يعني أنه قد وضع الحبل على عنقه، وصار دابة ينقاد لهم، لأن الدنيا بين أيديهم، وبالتلويح بها صار أسيرًا تابعًا لإرادتهم ومخططاتهم، وحين يخرج المرء من هذا الإسار، وبتعلق قلبه بالله والدار الآخرة يعني أنه فلت من هذا القيد، وصار حرًّا بعيدًا عنهم.
فأول الطريق للبناء هو ذكرى الدار الآخرة، والترغيب في الجنة، والترهيب من النار، إذ بهذا يُصنع المؤمن الذي يطاول الجبال ويتحدى الصعاب ويحقق الوعود الربانية. والإيمان بالدار الآخرة مراتب ودرجات، وأكبر معوق لهذا الإيمان هو الترف كما قال رسول الله (:(( إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ) )